الثنائيات الإيبستمولوجية في العلوم الاجتماعية.. أي مقاربات؟

إرسال إلى صديق طباعة PDF

epstimologie.jpgيعرّف لالاند Lalande في معجمه الإيبستمولوجيا بأنّها "فلسفة العلوم" «ولكن بمعنى أكثر خصوصية فهي ليست، بالضبط، دراسة المناهج العلمية، هذه الدراسة التي هي موضوع الميتودولوجيا والتي تشكّل جزءً من المنطق، وليست كذلك تركيباً أو استباقاً للقوانين العلمية (على غرار المذهب الوضعي أو المذهب التطوري) وإنّما هي أساساً الدراسة النقدية لمبادئ مختلف العلوم، ولفروضها ونتائجها، بقصد تحديد أصلها المنطقي (لا السيكولوجي) وبيان قيمتها وحصيلتها الموضوعية» (محمّد عابد الجابري، 2002، 18).

كما يعرفها أيضاً بأنّها «الدراسة النقدية لمبادئ وفرضيات ونتائج مختلف العلوم، والموّجهة لمعرفة أصولها المنطقية، وقيمها وما تحمله من موضوعية» (A. Beiton et autre, 2000, 01).
وخارج الإيبستمولوجيا العامة نلاحظ تطوّر الإيبستمولوجيات الخاصة بكلّ مجال معرفي كالإيبستمولوجيا الاقتصادية، وإيبستمولوجيا علم الاجتماع…، وتظهر ضمن فضاء العلوم إحدى أهمّ القارات المسماة "بقارة" العلوم الاجتماعية، وخصوصية المجالات التي تكوّن هذه المساحة بالمقارنة مع العلوم الطبيعية كونها مشحونةً بصدام شديد بين مناهجها منذ القرن التاسع عشر.
الثنائيات الجدلية في العلوم الاجتماعية:
تستند الطروحات التي تناولت الإيبستمولوجيا في العلوم الاجتماعية إلى معالجة الثنائيات الجدلية التي تحكم هذه العلوم وتوجّهها، وأهمّ هذه الثنائيات:
1- المثالية والمادية Idéalisme et matérialisme:
تستند نظرية المعرفة Gnoséologie قبل كلّ شيء على نقاش أساسي بين المثالية والمادية، فهل عالم الأفكار هو العالم الأوّل الذي يتميز بوجود مستقل؟ وهل المادة هي الأولى وما الأفكار إلا انحدار لها بطريقة أو بأخرى؟
فبالنسبة للمثالية التي سايرت الفلسفة منذ أفلاطون (428-347ق.م) ترى وجد أفكار مشكلة بطريقة ملائمة سابقة للتجربة. فالمساواة مثلاً تعتبر معرفة قبلية، ومن خلال الرجوع لهذه "الفكرة" (أي بأن تصبح مرجعية) نستطيع التقرب من الواقع المرّ أو الشرير لنحكم عليه، وحين نقول عن شيئين ملموسين بأن لهما نفس القياس أو متساويين، فهذا لا يتعلق إلا بمقارنة تخمينية، كما أن الدائرة الجيدة (المثالية) تمكننا من الحكم على الدائرة المرسومة والملموسة. فعالم الأفكار (اللوغس Logos) له وجوده الخاص به، وبالنسبة لأفلاطون أكثر من ذلك فهو حقيقة عليا (واقع) مثل حقيقة العالم المحسوس وما العالم المحسوس إلاّ خداع ووهم في جزئه الأكبر (أنظر أسطورة أهل الكهف في الجمهورية). وفي هذه المقاربة نصل إلى المعرفة من خلال العقل (La Raison) والحقيقة، وعن طريق اللغة لأن اللغة ما هي إلا تعبير عن الأشكال Formes الدالة عليها.
هذا التقليد المثالي جسده بالخصوص باركلي G.Berkeley (1685-1753) وكانط E.Kant (1724-1804) وهيجل G.W.hegel (1770-1831)، وهو ما يزال متجذراً ومتأصلاً حتّى الآن، فبعض الفيزيائيين المعاصرين ينسبون أنفسهم له بكلّ وضوح مثل الفيزيائي شرودونجر E.Schrodinger (1887-1961). غير أن المثالية بعيدة عن أن تكون متجانسة، وهنا نشير إلى أصالة وتعقّد فكر إمانويل كانط، والذي يسجّل حسب الكثير من المفكرين ثورة إيبستمولوجية عن طريق محاولته لتخطي حدود التجريبية والاستقراء، فهو يرى وجود فئات قبلية للإدراك والذهن، وهذه الفئات أو الأصناف يتمّ اكتسابها من أجل قراءة التجربة، فالعلم بهذا ليس عقلاً خالصاً ولا تنظيراً محضاً.
وهنا نجد أنفسنا أمام ما يُسمى بنزاع الكليات، فقد واجهت فلاسفة العصور الوسطى نفس القضية التي سرعانما سقطت في عالم النسيان وأصبحت مصطلحاً مهجوراً، فالكليات الخمس (الجنس والنوع والفصل والخاصية، والعرض العام) تتعلق بمفاهيم عامة مثل "الإنسان" و"الجمال"، وهي بالنسبة لبعض الفلاسفة الذين يستندون أو ينتسبون إلى أفلاطون ويتبنون وجهة نظر واقعية، خاصة كليرفو Bernard de Clairvaux (1091-1153) لها وجود فعلي وواقعي يختلف عن وجود الأشياء الخاصة التي تعنيها أو تحدّدها، فهي تنتمي إلى عالم الأفكار، وبالنسبة لآخرين ومن أشهرهم أبيلار Abelard (1079-1142) فهي ليست شيئا آخر غير الكلمات التي يُحدّد من خلالها الأفراد ما يلاحظونه فهم يتحدثون عن مفهوم "إسمي" فقط.
ترى المادية أن الواقع المادي يوجد مستقلاً عن الفكر، فبالنسبة لكارل ماركس K.Marx (1818-1883) "حركة الفكر ما هي إلا انعكاس لحركة الواقع، منقولة ومحولة إلى ذهن الإنسان". فالوجود أسبق من الوعي، ووجود الأفراد هو الذي يحدّد وعيهم وليس العكس.
وقد ظهر التصور المادي منذ ما قبل التاريخ مع مؤلفات ديمقرايط Démocrite (حوالي 460 إلى 370 ق.م) وأبيقور Epicure (341- 270ق.م) واللذان هما موضوع أطروحة ماركس. وتطور التصور في عصور الأنوار المادي نتيجة تراجع المثالية التي كانت مصبوغة ومتأثرة بمصادرها الدينية (أو التيارات الدينية). والمادية شديدة الارتباط بانطلاق التفكير العلمي، لأنّ ممارسة المعرفة تفترض التفرقة بين الشيء الذي يجب معرفته وموضوع المعرفة.
وتتبنى المادية الميكانيكية نظرية الانعكاس والتي ترى أنّ الفكر ما هو إلاّ انعكاس سلبي للواقع المادي، وقد تعرّض هذا التصور لانتقادات شديدة ومناقشات حدّة. وهنا تطمح المادية الجدلية لكارل ماركس K.Marx وانجلز F.Engels محاولة تجاوز المعارضة الكولاستيكية أو المدرسية –كما يصفها ماركس- بين المثالية والمادية. فمعالجة ماركس للتغيرات الجذرية للتاريخ (Praxis) وتحولات الواقع والاستقلالية النسبية للأفكار يعكس هذه الإرادة لتشكيل وبناء مادية ملائمة تتناسب مع دور الفكر البشري في بناء المعارف. ويؤكد لينين V.J.Lenine (1870-1924) في كتابه "المادية ونقد العلم Matérialisme et empiriocriticisme" على خاصية "نقص" المعارف باعتبارها خاصية دائمة لعدم إتمام أو اكتمال منتوج المعارف العلمية.
ويجب أن نسجل هنا أيضاً أن "الكتابات المقدسة" الماركسية غالباً ما كانت تعطي طروحات ميكانيكية لأطروحة ماركس، في حين أنّ بعض الماركسين أعطوا دوماً أهمية خاصة للعلاقات الدياليكتيكية الجدلية بين الواقع المادي وعالم الأفكار. هذا الجانب من البحث طوّره قودولي M.Godelier في كتابه "الفكري والمادي L’idial et matériel" (1984). فهو يشير خاصة إلى أنّ كلّ علاقة اجتماعية، مهما كانت، تتضمن جانباً مثالياً وجانباً من الفكر والتمثّلات، هذه التمثلات أو التصورات ليست فقط شكل لهذا الغطاء الذي تأخذه المعرفة، إنّما هي جزء من محتواها، ففي تصور غودوليي من غير الممكن تقليص الأفكار إلى نظام انعكاس بسيط للواقع المادي فقط.
ويعود الفضل لأخام G.d’Occam (حوالي 1290-1349) في إعلان القاعدة التي تحمل اسمه (شفرة أخام Le rasoir d'Occam) القائمة على مبدأ "لا يجب أن نحمّل الجوهر (الذات) أكثر ممّا هو ضروري له وأكيد"، ويتعلق الأمر هنا بقاعدة حادة ترى أنّه يجب قطع (كما هو الحال في الشفرة) كلّ الافتراضات التي تخرج عن جوهر الشيء والتي قد تجر إلى احتمال التفكير فيما هو فوق إطار موضوع معين، فمثلا لفهم ظاهرة من العالم الفيزيائي ليس من الضروري الاستعانة بفكرة الرب (Dieu) أو الإله، ويستند هذا التصور على الاسمية Nominalisme، لأن فكرة الحصان مثلا لا وجود مستقل لها عن الأحصنة التي تشير إليها. وتسجل قاعدة "الشفرة" لأخام ضمن الإرادة التي تطمح إلى بناء معارف وضعية وتجاوز التفكير المدرسي (السيكولاستيكي) والتحرّر عنه والذي كان يعتز به القرن الوسيط.
2- التجريبية والعقلانية Empirisme et Rationalisme:
التفكير في أصل المعرفة يجعلنا نحتك مباشرة بالتطورات الإيبستمولوجية حول الحوار الذي كان يضع بين طرفي نقيض كلاً من العقلانية والتجريبية، وهذا النقاش شديد الارتباط بثنائية المادية /المثالية، دون حصرها في ذلك فقط.
يمثل العقلانية مجموعة مفكرين خاصة ديكارت R.Descartes (1596-1650)، فبالنسبة له يعتبر العقل وحده المؤسّس لمعارفنا، وهذه الأخيرة لا يمكنها أن تصدر من الحسّ وتأثير الواقع المادي عليها، فالوصول إلى الحقيقي يمكن أن ينجر إلا من المسار المنطقي للفكر (لهذا كتب ديكارت خطاب المنهج Discours de la méthode)، والحقيقة تفرض ذاتها من خلال قوة البداهة أو البديهي.
دافع عن الإمبريقية (التجريبية) من جهة أخرى مفكرون خاصة بيكون F.Bacon (1561-1626) ولوك J.Loke (1632-1704) وهيوم D.Hume (1711-1776)، بالنسبة لهؤلاء تعتبر المعرفة ناتجة عن الإدراكات الحسية (Perception)، وبالتالي هناك أولية للفعل، وهذا لا يعني أن نشاط الموضوع المدروس مهمل أو ملغى، ويدعو Bacon بيكون بوضوح إلى إنشاء طريقة مزدوجة وتفعيلها، تنطلق من الأفعال للوصول إلى المعرفة من جهة وتنطلق من المعرفة للوصول إلى الأفعال من جهة أخرى.
ولا يجب الخلط بين الإمبريقية (التجريبية) كنظرية للمعرفة والتي لا تجد اليوم من يدافع عنها في شكلها الساذج وبين ضرورة مواجهة الأفعال أو البناء ميدانياً والذي هو عنصر لا مناص منه في العمل العلمي. وهنا يجب أن نفرّق بشكل عام بين العلوم المنطقية الصورية (الشكلية) والتي هي علوم معرفية فقط (المنطق، الجيومتري، الجبر) والعلوم الإمبيريقية والتي لها موضوع أو شيء (Objet) تطمح إلى معالجته ميدانيا (الفيزياء، الجيولوجيا، علم الاجتماع، العلوم السياسية).

3- الوضعية والعلموية Positivisme et Scientisme:
ترتبط الوضعية عامة باسم أوغست كونت A.Comte (1798-1857)، والذي يعتبر فعلاً الداعية الأكبر والأكثر شهرة ووضوحاً لهذا الاتجاه، لكنّنا نجد مؤلفين آخرين يتبنون، مع وجود تحفّظات بينهم وبين كونت، الأفكارَ الوضعية أمثال جون استورت ميل J.S.Mill (1806-1873) وبرتيلو M.Berthelot (1827-1907) وبرنارد C.Bernard (1813-1878) وتان H.Taine (1828-1893) ودوركايم E.Durkhaim (1858-1917) وليتر E.Littre (1801-1881) وغيرهم.
بالنسبة لكونت ترتبط الوضعية ببروز مرحلة العلم التي تميز "المرحلة الوضعية" والتي تأتي ضمن "قانون المراحل الثلاث" بعد "المرحلة التيولوجية" (الدينية) و"المرحلة الميتافيزيقة"، ويرتبط المذهب الوضعي بالثقة في التطور البشري والاعتقاد في المعروف والخدمات والحسنات التي قدمتها العقلانية العلمية له. ويجب على المعرفة عند كونت أن تستند على ملاحظة الواقع لا على المعارف "المسبقة"، وبالتالي فالوضعية تشكل تنظيماً أو نسقاً من الإمبريقية وترتبط بنوع من الولاء أو الديانة الخاصة بالعلم والمبنية على الحتمية الآلية "Déterminisme mécaniste".
وهنا يبدو أن موقف كونت غامض، فهو من جهة يشير إلى أن أي اقتراح لا يمكن أن يكون ذو معنى ما لم يتمّ بلورته في تبيان فعل معين، في حين أنّه من جهة أخرى ينتقد الإمبريقية ويحتج على كانط Kant وليبنتز Leibnitz لأنّهما يعلنان عن وجود تنظيمات ذهنية تلقائية عند الإنسان.
ولا يجب الخلط بين المذهب الوضعي وبين أن نتبنى مقاربة أو طريقة وضعية في بناء المعارف، فمفهوم الوضعية في الحالة الثانية هو نقيض "المعيارية"، ولا تكون المعرفة وضعية إلاّ حين تهتم بما هو كائن، فهي تختلف بالتالي عن المعرفة المعيارية التي تبحث عما يجب أن يكون، ففيما يتعلّق بالأسرة مثلاً تهدف الطريقة الوضعية لعالم الاجتماع إلى بيان التغيرات التي شهدتها الأسرة المعاصرة، أمّا الأخلاقيون ورجال الدين فيتبنون خطاباً معيارياً يستند على الحكم والتأسّف من زيادة نسبة الطلاق والولادات غير الشرعية أو خارج إطار الزواج، بذلك يكوّنون حكماً انطلاقاً من قيمة أو نسق من القيم الثقافي السائد.
أمّا الوضعية المنطقية Positivisme Logique (أو الإمبيريقية التجريبية المنطقية) فتتعلّق بالتصوّر الذي طورته دائرة فينا Cercele de Vienne، هذه المجموعة التي تشكّلت عام 1922 بمبادرة من شليك M.Schlick (1882-1936) والتي ضمّت بين صفوفها مؤلفين من أمثال نوراث O.Neurath (1882-1945) وكارناب R.Carnap (1891-1976).
وقد أثر كلّ من وينتنستون L.Wittgenstein (1889-1951) وروسل B.Russel (1872-1970) تأثيراً كبيراً في انتشارها، كما ذاع صيتها أيضاً مع نشر الدائرة عام 1929 "لبيانها" الذي يحمل اسم "التصور العلمي للعالم La conception scientifique du monde".
يتجلى الاهتمام المشترك لجماعة "دائرة فينا" في معارضة اللاعقلانية والتصورات الميتافيزيقة، فهم يدافعون من أجل وحدة العلوم (العلوم الطبيعية وعلوم الفكر)، ويؤكّدون على أن الإمبيريقية تستمد معناها من الوقائع المفسرة (لا المضاربات أو الأفكار القبلية)، ويشدّد هؤلاء المفكرون تركيزهم على الوضوح في اللغة التي تفسّر مرجعيتها للمنطق، فكما يقول وتنستون L.Wittgnstein "من يسمح لنفسه بالاسترسال في الحديث، فليسترسل في الحديث بوضوح". ويؤكد بيان الدائرة على أن "الدقة والوضوح مطلوبان، والأبعاد المظلمة والأعماق التي لا يمكن إدراك قعرها مرفوضة".
وعلى خلاف الرومانسيين الألمان فإنّ "دائرة فينا" تعتز بفلاسفة الأنوار، وتعتبر الصيغة النموذجية القائلة "يوجد إله Il y a un Dieu" خالية من المعنى، والعبارات الوحيدة التي لها معنى هي التي يمكنها أن تخضع لتحليل منطقي، ويمكن تفكيكها إلى عبارات أكثر بساطة تتعلق "بمعطيات تجريبية". فالوضعية المنطقية بالتالي تناضل من أجل إيبستمولوجيا قابلة للاختبار (Epistémologie vérificationiste) و"عبارات لا تحمل في ذاتها إلاّ ما هو قابل للاختبار" حسب ما يقول كارناب R.Carnap.
ويعتبر تصور "دائرة فينا" فيما يخص العلوم الاجتماعية واضح، لأنّها ترفض المفاهيم الميتافيزيقية مثل "روح الشعب" (المفهوم العزيز عند المنظرين الألمان)، فقد ورد في بيانهم: «كزناي Quesnay، آدم سميث Adam Smith، ريكاردو Ricardo، كونت Comte، ماركس Marx، منجر ولراس Walras، وذلك من أجل الإشارة إلى باحثين من مختلف التوجّهات، فقد عمل كلّ هؤلاء بروح ذات بعد إمبريقي مناهض للميتافيزيقية، لأنّ موضوع التاريخ والاقتصاد السياسي هي الرجال والأشياء ومدى توافقهم».
إذا كانت "دائرة فينا" تُسجل ضمن التقليد الإمبريقي، فهي تنفصل عن الإمبريقية الساذجة والاستقرائية Inductivisme، فهمبل C.Hempel مثلاً يكتب في "Elément d’épistémologie" أنّ "التصور الواسع للاستقرائية والمتعلق بالبحث العلمي مرفوض".
أمّا العلموية فليست خطاباً إيبستمولوجياً، إنّما مجموعة آراء ومعتقدات وأحكام سياسية، فهي قبل كلّ شيء ثقة مفرطة في تطوّر العلم، والخدمات الإيجابية التي قدمها للإنسانية، لكنّها أيضاً بشكل أساس تصوّر يرى أنّ المعرفة العلمية يجب أن تسبق الجهل في كلّ المجالات، وبالتالي حسب وصفة رينان Erenen (1823-1892) هي التنظيم العلمي للبشرية، ففي هذا الاتجاه على السياسي أن يمحي من التسيير "العلمي" كلّ المشاكل الاجتماعية والصراعات التي لا ترتبط إلاّ بالجهل أو النوايا السيئة. وتعطي العلموية أهمية كبيرة للتربية التي بتجريدها للحجم الكبير من التصورات الميتافيزيقية والتيولوجية (الدينية) تجعل التسيير العقلاني للمجتمع ممكناً.
وفي تصور العلمويين المتطرفين يجب إعطاء السلطة السياسية للعلماء، وبهذا الخطّ يسدّ هذا التصور الطريق أمام الديمقراطية أو كلّ حلّ ديمقراطي : فالحل "العلمي" الذي تمّ التوصل إليه من طرف المختصين غير قابل للنقاش. ويُنظر غالبا إلى كلمة "علموية" بشكل محتقر، ويستغل ذلك عادة المدافعون عن مختلف التيارات اللاعقلانية لرفض كلّ بعد علمي.
4- المادية العقلانية والعقلانية النقدية Matérialisme rationnel et Rationalisme critique:
ظهر في بداية سنوات 1930 مؤلفان أساسيان هما: الروح العلمية الجديدة Le nouvel esprit scientifique لباشلار G.Bachlard (1884-1962)، ومنطق الاكتشاف العلمي Logique de la découverte scientifique لبوبار K.Popper (1902). ويوضع هذا المؤلفان عادة في طرفي نقيض، لكن يشتركان في كونهما سجّلا تجاوزاً لبداية الإمبريقية العقلانية.
تتموضع بالنسبة لباشلار Bachelard المادية العقلانية في مركز الطيف الإيبستمولوجي بين الطرفين المتطرفين المشكلان من المثالية والمادية، أمّا بالنسبة لبوبار Popper فتمثل العقلانية النقدية الرفض المزدوج للمثالية والوضعية المنطقية. ويتعلق الأمر -في كلا الحالتين- بالتأكيد في نفس الوقت على إمكانية التوصل إلى معرفة موضوعية (بشكل تقريبي) والدور الفعال للذات (Sujet) في بناء المعرفة، ويشترك هذان المفكران بالخصوص في تركيزهما على أهمية المشاكل العلمية. فقد كتب بوبار "يولد العلم في المشاكل وينتهي في المشاكل". في حين يؤكد باشلار على أنّه "تقتضي الطريقة العلمية بناء إشكالية، والتي تأخذ انطلاقتها الواقعية من مشكل، هذا المشكل الذي تمّ طرحه بشكل خاطئ".
وجّه غاستون باشلار نقداً شديداً للفردانية والإمبريقية، فالفعل العلمي مبني على ضوء إشكالية نظرية، ويقوم العلم ضدّ البديهية وضدّ التصوّرات المسبقة للمعارف الجاهزة. بهذا المعنى يتحدث باشلار عن فلسفة الرفض Philosophie du Non، والوصول للمعرفة مثلها مثل تاريخ العلم مطبوع أو يتميز بالقطيعة الإيبستمولوجية Coupure épistémologique التي تُحدث انفصالاً مع التفكير القبعلمي Pré-scientifique، ومن أجل إنتاج معارف جديدة يجب تخطي العوائق الإيبستمولوجية.
يرى باشلار أنّ كلّ معرفة ما هي إلا معرفة تقريبية فكما يقول :"علميا نرى أن الصحيح هو بمثابة التصحيح التاريخي لخطأ طويل، ونرى أن التجربة هي بمثابة تصحيح للتصورات المشتركة والأولية"، وهو يناضل من أجل إيبستمولوجية توافقية أو تصالحية Epistémologie concordataire تقع في طريق وسط بين الإمبريقية والعقلانية.
يعيد كارل بوبار نفس التحليل الذي قدّمه هيوم، فقد وجّه هو الآخر نقداً للاستقراء والاستقرائية، فلا تسمح مجموعة من الملاحظات (رؤيتنا لمرور مجموعة من الأوز الأبيض) باستنتاج اقتراح أو أطروحة عامة كأن نقول كلّ الإوز أبيض. وقد قاد هذا النقد بوبار إلى إعادة النظر في فكرة التحقيق العزيزة على الوضعيين، لأن "التحقق" من فرضية معينة، ولو كان بعدد كبير من التجارب، لا يسمح بالوصول إلى "حقيقة" هذه الفرضية.
فالأطروحة العلمية ليست أطروحة القابلة للتحقيق، إنّما هي الأطروحة القابلة للدحض أو النقض Réfutable كما أنّها ليست كذلك الأطروحة المرفوضة (Réfuté). فأطروحة "الإله موجود" بالنسبة لبوبار تحمل معنى لكنها ليست علمية لأنّها غير قابلة للدحض، وأطروحة "كلّ الإوز أبيض" حدس علمي أو افتراض علمي، فإذا رأيت إوزاً أسوداً فإنّ هذه الأطروحة مدحوضة. وبالتالي سيرورة الإفتراضية (الحدسية Conjectures) والدحض (النقض) هي التي تسمح بالوصول إلى المعارف العلمية، وفي هذا الإجراء مبدأ أولي لنظرية "ما فوق الملاحظة".
تعرضت دحضية Réfutationisme كارل بوبار للنقد خاصة من طرف لاكاتوس I.Lakatos، الذي يشير إلى أن العلماء يتقبلون بصعوبة نتيجة التجارب الأساسية التي تدحض بناءهم النظري، وعادة ما يحاول الباحثون أمام النتائج التي تعيد النظر في افتراضاتهم إيجاد استراتيجيات تحصينية لنتائجهم، ويقترح بالتالي لاكاتوس دحضية أو نقضية متطوّرة، بأن يعمل العلماء في إطار برنامج للبحث العلمي يضم نواة صلبة وحزاماً واقياً للفرضيات المساعدة، وهذه الأخيرة وحدها قابلة للدحض.
فبرنامج البحث يتميز في نفس الوقت باستكشاف إيجابي Heuristique positive (وهو ما يجب البحث فيه والمناهج المستخدمة للوصول إلى ذلك) واستكشاف سلبي Heuristique négative (المجالات التي لا يجب البحث فيها والمناهج التي لا يجب استخدامها). ويمكن لبرنامج بحث أن يكون تطوريا بخلق أفكار ومعارف جديدة واكتسابها من خلال التأثير والتأثر، أو ارتدادياً Régressif بفقدان التأثير والتكيف مع العلماء، فالبرامج العلمية المتنافسة تستطيع أن تتعايش دوماً مما يفسر إثراء المناقشات أو الحوار العلمي.
ونشير هنا إلى أن الاستقرائية تصور إيبستمولوجي معياري (Normative) يرى أنّه لا يمكن بناء المعارف إلا على قاعدة الملاحظة دون أفكار مسبقة عن الواقع، وهذا التصور الإيبستمولوجي (الاستقرائية الساذجة) لا يملك اليوم أي مدافع له لا عند العلماء ولا عند الإيبستمولوجيين حالياً. فالاستقراء طريقة شائعة في التفكير تستند في استنتاجاتها إلى الاستدلال الاحتمالي، ففي غياب كلّ المعارف العلمية مثلاً في مجال الفلك ينتظر كلّ الناس شروق الشمس غداً صباحاً، ويظهر الاستقراء في مجال العمل العلمي في القياس الجيّد للحدود، فعن طريق تراكم الدراسات المنوغرافية نتوصل ، عن طريق التعميم، إلى تشكيل أطروحة عن التغير الاجتماعي مثلاً، لكن في الأصل لا يتعلق الأمر هنا بالاستقرائية لأن الباحثين في هذه الحالة موجهين في ملاحظاتهم المنوغرافية بإشكالية نظرية محدّدة تقود بناءهم العلمي.
فالإمبيريقية هي في الأصل فلسفة ونظرية للمعرفة، أمّا الاستقرائية فهي قبل كلّ شيء آخر قاعدة منهجية في العمل العلمي.
5- الاتصال والقطيعة في تاريخ العلم:
غالبا ما تُصوّر الوضعية تاريخ العلوم على شكل خط مستمر ولا يمكن أن يصبح ذلك ممكناً إلاّ من خلال السمة التراكمية للمعارف المنتجة، وقد عارض توماس كوهان Thomas Kuhn هذا التصور في كتابه "بناء الثورات العلمية La structure des révolutions scientifique"، فبالنسبة لهذا الإيبستمولوجي يتميز تاريخ العلوم بمراحل "للعلم العادي Science normale" يشتغل في إطارها الباحثون ضمن مجال معين تحت مظلة "تصوّر أو محدّد نظري Paradigme (البراديجم)" سائد، وحين يُعاد النظر في هذا "المحدّد النظري" أو البراديجم عن طريق ملاحظات جديدة أو براديجم جديد في طور النشأة تُفتح أو تبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة "الثورة العلمية" التي تقود وتولد مرحلة جديدة أخرى "للعلم العادي".
تمّ نقد أطروحة كوهن من ماحيتين:
1- من جهة، كون محتوى العلم العادي ناتج عن اتفاق Consensus بين أحضان المجموعة العلمية وهو غير محدد بمواصفات موضوعية، مما جعل لاكاتوس Lakatos يتّهم كوهن بالنسبية في تحليله.
2- ومن جهة أخرى يدلّ تاريخ العلوم الطبيعية وكذا العلوم الاجتماعية عن تعايش، ولفترات طويلة، بين عدّة براديجمات متناقضة بشكل تنافسي دون أن تفرض إحداها نفسها على البرديجمات الأخرى باعتبارها "العلم العادي".
فإذا كان الفضل يعود لكوهن في الإشارة إلى القطيعة والتغير الجذري النظري في مسيرة تاريخ العلوم، إلا أنّ - على ما يبدو - منهجية برامج البحث العلمي لـ لاكاتوس أحسن من حيث إعطاء الأهمية لتعدّد البرديجمات في أحضان أغلب التخصّصات.
ويبين تاريخ العلوم في التصوّر الأكثر حداثة حيوية وديناميكية المناقشات العلمية في كلّ التخصّصات بعيداً عن أن يكون ذلك ضعفاً في سيرورته، إنّما خصوبة له. فتصارع أو تطاحن الفرضيات والمقاربات ونتائج التجربة والملاحظات تدعو إلى تطوّر المعارف العلمية، والمناقشة التي فتحها مثلاً ماكس فيبر M.Weber من خلال كتابه "الأخلاق البروتستنتية والروح الرأسمالية L’éthique protestante et l’esprit du capitalisme" طورت بلا شك علم اجتماع الأديان وفهم طبيعة الرأسمالية، والأطروحات التي طورها ماركس Marx زادت من البحوث والأعمال الإمبريقية والنظرية المتعلّقة بالطبقة الاجتماعية وطبيعة الدولة.
لكن وفي الآن نفسه ليكون النقاش العلمي مُنتجاً وخصباً عليه أن يخضع لقواعد المجال العلمي، فكما يشير إدغان موران E.Morin في كتابه "Science avec conscience" إلى أن "ما يجب الاحتفاظ به كشرط أساسي، حتّى لحياة العلم في حدّ ذاته، هو التعددية التنازعية أو التنافسية داخل الرهانات التي يجب أن تخضع لقواعد إمبريقية".
6- نزاع المناهج بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية:
في مقابل التصور الذي يدعي إلى وحدة العلم، والذي يمثله خاصة الاتجاه الوضعي، نجد اتجاهاً فكرياً آخر يذهب مع تصور دالتي W.Dilthey (1833-1911) ويؤكد على وجود قطيعة راديكالية بين العلوم الطبيعية وعلوم الفكر Sciences de l’esprit، فلا يجب على هذه الأخيرة الخضوع للمنهجية التي تتبناها العلوم الطبيعية لأن موضوعهما مختلف عن بعضهما تماماً. ففي المعرفة الخاصة بالطبيعة، والتي هي خارجية، يمكن إعادة التجربة وبناء خطاب موضوعي، لكن المعرفة المتعلقة بعالم الفكر لا يمكن الاستعانة فيها إلاّ بالفهم، ويمكن ذلك عن طريق الاستبطان وإدراك مدلول الأفعال الإنسانية.
يقترح دالتي ومن أجل الوصول إلى هذا الفهم استخدام المقاربة أو الطريقة التأويلية أو الترميزية Herméneutique (وهي نظرية في تأويل الإشارات على أنّها عناصر رمزية معبرة عن حضارة معينة، تستخدم خاصة في تفسير الكتب المقدسة والقوانين القديمة)، بمعنى طريقة تفسير الظواهر المرئية للفكر الإنساني، ويرى بالإضافة إلى ذلك أن علوم الفكر لا يمكنها أن تكون بمعزل عن الحكم على الفعل والحكم على القيم، فمن المستحيل أن لا نحكم على الأفعال ونحن نستعرضها.
كما يؤكد مؤلفون آخرون على تميز علوم الفكر (أو علوم الثقافة) لكن بتبني موقف أقل راديكالية من موقف دالي ومن بينهم وندلباند W.Windelband (1848-1915) وريكارت H.Rickert (1863-1936) والذين يعتبرون اختلاف علوم الفكر عن غيرها يتمّ على مستوى منهجيتها لا موضوعها. فللعلوم الطبيعية طموح شمولي لأنّها تهدف إلى صياغة قوانين عالمية (Nomos)، ونسميها علوما نومولوجية Nomologique أو العلوم التي تدرس القوانين، فهي تصوغ اقتراحات قاطعة وقابلة للإثبات Apodictique لها قوة الانتشار الواسع، وبعكس ذلك فلعلوم الفكر طريقة تطمح إلى التفكير في ما هو فردي Singularité، وتنبثق من وصف الأفعال الخاصة، فهي علوم إيديوغرافية Idéographiques لأنّها تصوغ قضايا تقديرية Assertorique تتعلق بموضوع خاص.
ويهتم الكثير من المعلقين على كتب ماكس فيبر اليوم في البحث عن ما يفرقه عن الإيبستمولوجية الدالتية، وهنا نشير إلى ثلاث نقاط أساسية على الأقل:
- فمن جهة يعبر فيبر من خلال مفهوم النماذج المثالية Idéal-Type عن طموح نموذجي، ممّا يعكس إرادته في عدم التقيد بالوصف البسيط.
- ومن جهة أخرى يؤكد فيبر من خلال تعريفه لعلم الاجتماع على ضرورة الاستعانة بطريقة الفهم والتفسير النسبي.
- وأخيراً يجب الإشارة إلى الأهمية التي يعطيها فيبر للحياد الأخلاقي والتي تسمح بتجاوز النظرة الذاتية غير القابلة للمناقشة لتأويلية دالتي.
كما نجد الكثير من الاقتصاديين الليبيراليين ينضمون لخانة التقليد الداعي لوحدة العلم، والذين يقبلون (بدرجات متفاوتة) فوقية العلوم الطبيعية خاصة الفيزياء. ويتبنى هنا هايك F.Hayek (1899-1992) وجهة نظر مختلفة، فهو يعلن عن "الديكتاتورية" أو الطغيان الذي تمارسه مناهج الفيزياء على المجالات المعرفية الأخرى نتيجة التأثير السلبي "للأحكام القبلية للعلمنة"، مع تأكيده على الطابع الذاتي للظواهر الاجتماعية، وإمكانية الوصول إلى المعرفة المباشرة لمعاني الفعل الاجتماعي عن طريق الاستبطان، ويعارض أيضاً بوضوح كلّ إمكانية وصول للموضوعية، فالعلمنة (العلموية) تقود إلى وجهة نظر مغلقة ومحدّدة وكلية وإلى نسبية تاريخية، لهذا يدعو هايك على العكس من ذلك إلى تبني الطريقة الفردانية (Démarche individualiste) من خلال تركيزه على خصوصية "العلوم الأخلاقية"، وبذلك يعلن عما يمكن تسميته بـ "التشييدية Constructivisme".
إذا كانت معرفة القوانين في العلوم الطبيعية تسمح للإنسان بالتأثير على الواقع وتشكيله تبعاً لأهدافه، فإن ذلك لا ينطبق في تصور هايك على مجال السياسة والاقتصاد والمجتمع. لأنّ تنظيم المجتمع ناتج عن نظام تلقائي لا يمكن تغييره أو التحكم فيه بشكل واع، ويريد الكونيون (Les planistes) تنظيم المجتمع حسب نموذج المهندسين القائم على قاعدة المعارف العقلية، وهم بذلك ضحايا التصوّر أو الوهم العلموي (العلمني).
إنّ التعارض الذي يدافع عنه دالتي، تمّ رفضه من قبل الكثير من علماء الاجتماع الذين ليسوا هم الآخرين بالضرورة وضعيين، ويشير بورديو Pierre Bourdieu وباسرون J.C.Passeron وشامبوردون J.C.Chamboredon في كتابهم "عمل السوسيولوجي Le métier de sociologue" إلى أن هذا التعارض يستند على تصوّر ساذج وكاريكاتوري للعلوم الطبيعية، فهذه الأخيرة غير مطبوعة هي الأخرى بطريق مشرق نحو الحقيقة، أو بمقترحات مشتركة بين جميع الباحثين وحياد معرفي تلقائي، فالفزيائيون والكميائيون والبيولوجيون يتساءلون عن موضوعهم ويتناقشون باستمرار عن الحتمية والمادية، وحين كتب الفلكي الفيزيائي ليفي لويبلوند J.M.Levy-Leblond أن "الفيزياء علم اجتماعي" ينتقد بطريقته الخاصة البديهية الكاذبة القائمة على الادعاء بوجود القطيعة بين "علوم قاسية" و"علوم رخوة".
يرى أرونث H.Arendt (1906-1988) أن التعارض بين العلوم الطبيعية والعلوم التاريخية قد تمّ تجاوزه، ويؤكد بياجيه J.Piaget على أنّه من غير الممكن إيجاد فروقات ذات معنى على مستوى المناهج بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. ويشير بورديو Pierre Bourdieu من جهته كجواب لما سبق إلى وحدة النشاط العلمي الذي يستند على (مهما كان التخصص) بناء نماذج مطبوعة بتجانسها الداخلي وقابليتها للنقض أو الدحض الإمبريقي.
وخصص الأنثروبولوجي تيستار A.Testart كتابه "محاولة في الإيبستمولوجيا Essai d’épistémologie" لنقد التناقض البسيط المزعوم بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، ويشير بالخصوص وبوضوح إلى نمطي النقد اللذين أعتيدا يوجهّان للعلوم الاجتماعية فيما يتعلق بعلمنتها، فعلى كلّ نظرية حول "الاجتماعي" أن تواجه جبهتين، من جهة الذين لا يتصوّرن العلم إلا بالحساب والتجربة، والذين لا يستطيعون تخيل علوم أخرى غير العلوم التي يعرفونها من قبل، وهم يقترحون النموذج المثالي لما هو علمي من خلال النموذج التعيس الذي يُقتدى به في الفيزياء، وهؤلاء يعترضون دوماً على العلوم الاجتماعية إمكانياتها النظرية. ومن جهة أخرى الذين لا يعيرون اعتباراً كبيراً للعلوم الفيزيائية، أبطال الذاتية والنسبية والتأويلية وما يفوق الوصف، والذين يحمدون أو يمدحون في العلوم الاجتماعية أكثر من سبب ممّا هو غير موجود فيها، لكن تصوّرهم هذا يشكل استمرارية للتيولوجيا أو الفكر الديني بطرق جديدة.
7-الموضوعية Objectivité والموضوعانية Objectivisme والوضعنة Objectivition:
يطمح المثل الأعلى لكلّ خطاب علمي إلى إنتاج معرفة موضوعية عن الواقع، فالعلم يقف ضد الأفكار الجاهزة والضغوط والتصورات والآراء والأحكام القيمية، ويهدف إلى إنتاج معارف مصاغة بلغة دقيقة جدًّا ممّا يجعلها خاضعة للنقد واختبارات الرفض أو القبول أو التحقق منها، وترتكز هذه الموضوعية، في التقليد الوضعي، على ضرورة التخلي عن الأفكار القبلية وعلى الخضوع لقرار الظواهر.
زعزع النقد الموجه للإمبريقية (التجريبية) والاستقرائية بقوة هذا البناء أو المفهوم الخاص بالموضوعية، ممّا قاد البعض إلى نقد "موضوعانية" إميل دروكايم E.Durkheim وأتباعه، فقد تبنى بعض علماء الاجتماع، وقوفاً ضد هذه الموضوعانية، وجهة نظر ذاتية ونسبية، ويؤكدون بأن عالم الاجتماع، كونه يعيش بين الموضوع الذي يعالجه لا يمكنه "معالجة أو دراسة الظواهر الاجتماعية كأشياء". فقد تعرّض بالتالي معرفة "الاجتماعي" لمواجهة آراء مختلفة، لا يمكن الحزم بينها أو ترجيح الواحد على الآخر، وتبقى كلّ الخطابات في هذا النطاق ذات قيمة علمية ما دامها تبني الظواهر أو الأفعال التي تتناسب مع وجهة نظرها.
ومن خلال هذه النظرة النسبية يمكن معارضة مفهوم "الموضوعانية"، فحقيقةً ليس الواقع شفافاً، والظواهر مبنية، لكنّها غير مبنية بشكل تعسفي، فهي مبنية انطلاقاً من إشكالية يمكنها بل يجب أن تكون توضيحية لموضوعها، وعلى عالم الاجتماع تحديد مصطلحاته، وتوضيح تقنيات بحثه، وعليه أثناء هذا العمل أن يتحلى "بيقظة إيبستمولوجية"، فنحن نعلم أن أسئلة الاستمارة قد تؤثر على الإجابات، ولا يجب استخدام المعطيات الإحصائية دون التفكير النقدي فيها. فإذا كان الباحث يستطيع في ذاته التخلي عن يقظته الإيبستمولوجية تصبح أعماله بالتالي خاضعة للنقد وتكون محل التعديل، وهكذا فالعمل الفردي والجماعي هو الذي يسمح في الآن ذاته بالتركيز على التجربة المباشرة الآنية (وأحيانا على المعاني المشتركة) وفي نفس الوقت كسر وتحطيم أو التحرر من الأفكار القبلية.
والموضوعية لا تعطى جاهزة أو بشكل تام، فهي تمثل المثل الأعلى الذي يبحث ويطمح الباحث الوصول له، بتفادي فخ الوضعنة (التوضيع)، وثمن ذلك كله بذل المجهود المستمر في طريق الموضوعانية Objectivation. وتماشيا مع إلياس N.Elias (1897-1990) يمكن أن نؤكد أن على الباحث في العلوم الاجتماعية أن يتموقع باستمرار بين "الالتزام" و"التباعد".
8- الكلية المنهجية والفردانية المنهجية Holisme méthodologique et Individualisme méthodologique:
لا يمكن بالنسبة للكلية المنهجية قصر المجتمع أو الاقتصاد في مجموع الأفراد المكونين له، وبطريقة أخرى إن كان كذلك، كما يؤكد إميل دروكايم E.Durkheim، فلن يصبح لعلم الاجتماع موضوع خاص به باعتباره تخصصاً علمياً، ويكفي إرجاع الظواهر لعلم النفس الفردي. ويؤكد كارل ماركس من جهته أن منطق أنماط الإنتاج ترتكز على الأفراد من خلال التناقضات الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية، كما يؤكد كلّ الذين ينتمون للبنائية أو البنائية الوظيفية بدرجات مختلفة أسبقية البنية على الفرد، وفي تصور هذا الاتجاه فإنّ الاهتمام بظاهرة اجتماعية هو الاهتمام بالمحدّدات الاجتماعية التي تفسر السلوكات الفردية.
ويجب التفرقة بين الفرد الفردي والفعل الاجتماعي، فحين يصف ماركس السلوكات الرأسمالية الناتجة عن التناقضات البنائية لنمط الإنتاج الرأسمالي، لا ينفي أن هذا الرأسمالي أو ذاك يتبنى سلوكاً آخر وقد يعود إلى معسكر الطبقة العمالية كما يصف ذلك صديقه إنجلز، إنّما البحث هنا عن محدّد اجتماعي عام.
أمّا بالنسبة للفردانية المنهجية فكلّ الهويات الجماعية الخاصة بالكلية تسقط تحت رحمة قاعدة "شفرة أخام"، والحقيقة الوحيدة التي يمكن ملاحظتها هي الفاعل الفردي. يرى مستهلكي أو منتجي النظرية الاقتصادية الكلاسيكية الجديدة، وعلماء الاجتماع المساندين لريمون بودون Boudon أن كلّ الظواهر الاجتماعية ناتجة بالتالي عن تجميع للسلوكات الفردية، ومن أجل الاهتمام بهذه الظواهر الاجتماعية يجب الانطلاق من مسببات Motivation الفاعل، ويرفض المدافعون عن الفردانية المنهجية وجهة النظر التي ترى أن الفاعل (الاجتماعي) الفردي ما هو إلا حامل للبيئة.
ومنذ وقت طويل كان يدعو الكثير من السوسيولوجيين إلى تجاوز هذا النقاش، وهذا ما تدعو إليه وضعية إلياس N.Elias التي تقترح مصطلح "التناسبية" Configuration للإشارة إلى ضرورة التفكير في الآن ذاته في السلوكات الفردانية والمضمون (المحتوى) الاجتماعي أو السياق الاجتماعي القسري الذي تجري بداخله هذه السلوكات الفردية والتفاعلات الاجتماعية.
هذه الإرادة في التجاوز توجد عند علماء الاجتماع الفرنسيين المعاصرين أيضاً، أمثال بيار بورديو Pierre Bourdieu الذي يقترح بناء السوسيولوجيا على النسبية المنهجية Relativisme méthodologique، أو توران A.Tourain الذي يسجل في نفس الوقت ثبات البيئة الاجتماعية وعلاقات الطبقة و"العودة دوما إلى الفاعل".
خاتمة:
القطيعة الموجودة بين المفاهيم والتي عرضناها (مادية/مثالية، إمبريقية/عقلانية) تسمح بتوجيه مجال الحوار والنقاش، فمن الخطر بالتالي أن نجعلها تناقضات لا يمكن تجاوزها، أو أن علينا أن نختار بين أن نكون رفضيين أو تحقيقيين Refutationste ou Verificationiste. وفي الحقيقة تعتبر وجهات نظر العلماء دوما أثرى وأغنى ممّا يجعلنا نبسط ونعمم مؤلفاتهم في هذه الثنائيات الجامدة.
فقد أشرنا مثلاً إلى إرادة باشلار في تأسيس إيبستمولوجية توافقية، كما أكدنا على إرادة ماركس في تجاوز المادية الميكانيكية أو الميتافيزيقية، وجعل فيبر و دوركايم في طرفي نقيض يجب أن يتمّ بكلّ حذر، فكوهن Th.Kuhn نفسه يتحفظ من الذين يضعونه في طرف نقيض بشكل مبسط مع بوبار K.Popper.
ويجب من جهة أخرى التمكّن من المعارضات أو الثنائيات الأساسية التي تبني الحوار والنقاش العلمي، والحذر من أن يوصلنا هذا الأخير إلى تركيبات جديدة تدمج وتتجاوز المعارضات القديمة وتعمل على توليد رهانات أو مجازفات جديدة.



المراجع:
- أحمد زكي بدوي: معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية: إنجليزي، فرنسي، عربي، مكتبة لبنان، بيروت لبنان، 1993.
- محمّد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي، ط05، مركز الدراسات العربية، بيروت، لبنان، 2002.

- Alain Beitone et autre, Sciences sociales, 2e éd, éd. SIREY, 2000
- Bachlard, Gaston, La formation de de l’esprit scientifique, contribution à une psychanalyse de la connaissance objective, Paris, JVRIN, 1976.
- Madeleine Grawitz : Méthodes des sciences sociales, 10 éd, Dalloz, Paris, 1996

المشاهدات: 5590

التعليقات (2)

RSS خاصية التعليقات
...
0
اريد مساعدة حول بحث في علم الاجتماع حول المدرسة الميكانكية....
طلب مساعدة
0
أشكر صاحب المقال على هه المعلومات القيمة. وأطلب منك سيدي أن تقدم لنا بعض الأفكار المهمة التي وردت في كتاب الأمير لنيكولا مكيافيلي.
عمر طرواية , نوفمبر 30, 2010

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية