مشكلة البيئة من منظور إسلامي

إرسال إلى صديق طباعة PDF
مشكلة البيئة من منظور إسلامي
 
اشتهرت لدى الناس مقولة تلخص قضية الإنسان في هذه الحياة، وتعرفه تعريفا دقيقا، وهو أنه المخلوق الوحيد الذي يولد باكيا و يعيش شاكيا.
ومهما استقامت له الأمور فإنه يظل يشكو سوء الأحوال وتفاقم المشاكل، ولن يريحه من هذه الشكوى غير الأجل يطويه من صفحة الوجود فيطوي معه آلامه وآماله، ويمضي بها إلى دار الخلود.
ولا غرو أن نجد الحديث عن المشكلات شغل الناس الشاغل، في كل مناحي الحياة، مهما اختلفت طبقاتهم الاجتماعية، وتباينت مستوياتهم الثقافية، وتنوعت اهتماماتهم المعيشية، ومن المشاكل التي باتت تؤرخ العقلاء والحريصين على سلامة الحياة على كوكبنا الأرضي، قضية البيئة، وعلاقة الإنسان بها، وكيفية معالجتها بما يضمن للإنسان عيشا كريما آمنا من كل تهديد يترصد حياته وصحته وغذاءه ومحيطه بشكل عام.

ومشكل البيئة وليد التطور السريع الذي شهدته البشرية في القرن العشرين، وإفرازات الثورة الصناعية، وتنامي المدن السريع، فضلا عن السباق في مضمار الصناعات العسكرية والأسلحة الكيماوية، والمفاعلات النووية، وغيرها مما تدعو إليه ضرورة تلبية الحاجات المتزايدة للملايير المتكاثرة من سكان المعمورة، لهذه الأسباب دق العقلاء ناقوس الخطر، لما أصاب توازن الحياة من خلل خطير، أضحى يهدد الحياة والأحياء على كوكبنا الصغير.

1. مفهوم البيئة:
تعني كلمة "البيئة" بمفهومها العام، الوسط أو المجال الذي يعيش فيه الإنسان فيتأثر به ويؤثر فيه 1.
وقد تتسع البيئة لتشمل الأرض التي تقلنا والسماء التي تظلنا، وقد تضيق لتخص بيت الإنسان وموقع عمله وسكناه. وهي باختصار "كل شيء يحيط بالإنسان"2.
وتتجلى أهمية البيئة في كون الإنسان ذا علاقة وطيدة بمحيطه، فمنذ فجر التاريخ والإنسان يسعى لتطوير حياته واستغلال ما حوله بما يحقق رغباته ويلبي حاجاته، مترقيا من الضروريات إلى قمة الكماليات.

وفي سبيل تحقيق هذه الغايات حدثت آثار سلبية لم تكن في الحسبان، لم يتفطن لها الإنسان في الإبّان، ثم تجلت مخاطرها للعيان، فتداعى المخلصون لإنقاذ الوضع قبل فوات الأوان،  وكانت أبرز آثار تدهور البيئة بتدخل الإنسان، مشكلة التلوث بكافة أنواعها وتجلياتها، ومشكلة استنـزاف الموارد الطبيعية، ومشكلة التصحر،  وليس من مقصودنا في هذه العجالة، ولا من اختصاصنا، تحليل هذه المشاكل وأسبابها، وبيان طرق معالجتها، علما بأن العلماء أزاء أصل القضية مختلفون، بين مبرر للحال باعتباره أمرا واقعا، وضرورة تقتضيها سنة التطور وطبيعة الحياة، وبين ميال إلى الانتصار للطبيعة وتوقيف جشع الإنسان في الكسب والتصنيع والإنتاج، وبين متوسط بينهما بما يحقق المصلحة البشرية في الأمد البعيد، ولا يعيق منافعه الآنية وفوائده العاجلة، وذلك بالحفاظ على التوازن البيئي، فما المقصود بهذا المصطلح الجديد؟
   
2. التوازن البيئي:
تعنى كلمة التوازن البيئي قدرة البيئة على إعالة الحياة على سطح الأرض دون مشكلات، أو مخاطر تمس الحياة البشرية، بل إن التوازن البيئي يعدّ ظاهرة هامة في عناصر الحياة، ويعتبر سر استمرارها في الحفاظ على وجود الكائنات الحية وفق منظومة قدرها الخالق بدقة عجيبة، وهو ما قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: "وَالأََرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ"3.

فعناصر البيئة -الحية منها وغير الحية- تتفاعل وترتبط ببعضها في تناسق دقيق، يتيح لها أداء دورها بشكل متوازن ومتكامل، بحيث تحافظ على وجودها دون أن تتسبب في خلخلة منظومة الحياة، وتهدد سائر الأحياء، وإن أي خلل في هذا النظام، يعني الخطر العام على الأحياء جميعا، وهذا الخطر يعرف في الأدبيات المعاصرة بمشكلة التلوث، وهذا التلوث ناتج عن عمل الإنسان، وقد أصبح اليوم ظاهرة عالمية مقلقة لكل المهتمين بشؤون الحياة ومستقبل الإنسان.

وقد يفهم بعضنا التلوث بالمعنى الجمالي الرومانسي، وأنه إلقاء النفايات بما يفسد جمال الطبيعة ونظافتها، وهذا معنى سليم، ولكن الأخطر هو المفهوم العلمي للتلوث، وهو حدوث تغير وخلل في الحركة التوافقية التي تتم بين العناصر المكونة للنظام الإيكولوجي، بحيث تَشُل فاعليةَ هذا النظام وتفقده القدرة على أداء دوره الطبيعي في التخلص الذاتي من نفاياته بطريقة عادية 4.

وتتجلى خطورة هذا التلوث فيما يفرزه من تدهور في التوازن البيئي.. له مجالات عديدة، منها التلوث الهوائي، والتلوث المائي، والتلوث الكيمائي، والتلوث الضوضائي، وللتدليل على ذلك نورد مثالا يتعلق بالنسيج الغابي، الذي عملت فيه يد الإنسان قطعا واقتلاعا، لتلبية حاجاته ونهمه إلى الخشب في مساكنه وقصوره، فإن تعرية البيئة الغابية، سيؤدي إلى النتائج الآتية:
1- اختفاء معظم الأشجار التي تعتمد عليها كثير من الحيوانات، ملجأ وأوكارا، ومصدرا للغذاء.
2- تعري التربة وتعرضها للانجراف، وما يعقب ذلك من عجز الأرض عن امتصاص الماء، وازدياد خطر التصحر.
3- خلخلة دورة الأوكسيجين وثاني أوكسيد الكربون، باعتبار الأشجار مصدرا بل مصنعا متجددا للأوكسيجين، ومستهلكا لأوكسيد الكربون، ونقصان الأشجار يزيد في درجة التلوث الهوائي.
4- وأخيرا، يقل تبخر الماء الناتج عن الأشجار، بسبب قطعها، فتصاب المنطقة بالجفاف وتقل الأمطار.
هذا نموذج بسيط، وهيّن من تصدع المنظومة البيئية بسبب الإنسان.

ولو تعرضنا للآثار الخطيرة الناجمة عن الصناعات الكيماوية ومركباتها العملاقة، وآثار نفاياتها السامة على الأنهار والبحار، والحياة المائية، وعلى الغلاف الجوي، وتسمم الهواء، لأفضى بنا الحديث إلى مجلدات من الحقائق المرة، والمخاطر الحقيقية التي تعاني منها الحياة، ويدفع ثمنها الباهظ الإنسان نفسه، بما نجم عنها من أمراض مزمنة وتشوهات خلقية، كلفت وزارات الصحة والمستشفيات ميزانيات خيالية، ولكنها واقع معيش، وحقيقة مرة يتجرعها المجتمع البشري في عصرنا التعيس، عصر أفرز اجتماع التناقضات بين الرفاهية المفرطة، والأنانية المتطرفة، وبين التخلف القاتل بمعاوله الهدامة، الفقر والجهل والمرض.

والإسلام لم يكن بمنأى عن هذه المشكلة، بل عرض لأصول علاجها، وتفادى وقوعها، وسعى لمعالجتها عند حدوثها، وهو ما نجد أدلته مبثوثة في آي القرآن وأحاديث المصطفى عليه السلام، وما قرره علماء الأصول من قواعد وأحكام.

3. البيئة في القرآن.
نجد الحديث عن البيئة في القرآن متضمنا في الآيات التي تتحدث عن نعمة الله وتسخيره ما في الكون لصالح الإنسان، والمنطق يقضي أن يكون شكر النعمة بالحفاظ عليها، واستعمالها على الوجه المشروع، بما لا يعود عليها بالإبطال والإلغاء، أو التعطيل والفساد.

وقد ورد ذكر الأرض وما فيها  من نظام بديع يحكم ما تحويه الأرض في باطنها، و ما يعلو فوقها من أحياء وجماد، أو ما يحيطها من كواكب ونجوم، وهواء وفضاء، وذلك في عشرات الآيات من القرآن الكريم، فقد ذكرت الأرض في القرآن 287مرة إجمالا، وأكثر من نصف هذا العدد له صلة بموضوع البيئة، إذ نجد تلك الآيات تتحدث عن تسخير الله لما في الكون لصالح الإنسان، وأنه خلقه بمقدار وأنزله بمقدار، وأي خلل في هذه المقادير يعد ناقوس خطر يهدد الحكمة من الخلق، ويعطل هذه المخلوقات عن أداء وظيفتها، وسيرها وفق النظام المرسوم.

ومن هذه الآيات الكريمة قول الباري "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأََرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون"5.
"الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأََرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"6.
"أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا اْلأَرْضَ شَقًّا*فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْبًا  * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ"7.
"وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي اْلأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون"8.

وتوعد الله الذين يفسدون في الأرض بالوعيد الشديد، ونعى عليهم هذا المسلك المذموم، "وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي اْلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ" 9.
ونهى عن الفساد في الأرض، وعاب على أهله فعلتهم، وإن زعموا أنهم يصلحون "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي اْلأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" 10.
وتفضل المولى بذكر حكمة التدافع، وأنه لصالح الإنسان، "وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" 11.
ففساد الأرض محذور وبلاء، لا تستقيم معه الحياة، ومن حكمة الله أن حفظ للإنسان هذا التوازن في منظومتها ليستمر سير الحياة، وذلك من فضل الله على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون.

4. البيئة في السنة
حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمل النافع، ومنع من إحداث الضرر بالغير مهما كان نوعه ومقداره، وبلغ به التحذير منه، فأصدر هذا الوعيد الشديد، فعن ابن عباس قال: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ قِيلَ مَا الْمَلاعِنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِي ظِلٍّ يُسْتَظَلُّ فِيهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ أَوْ فِي نَقْعِ مَاءٍ" 12.

وعن حذيفة بن أسيد أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال   "من    آذى    المسلمين  في طرقهم وجبت عليه لعنتهم" 13.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوا وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ" 14.
وروى جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ملعون من آذى المسلمين  في طريقهم" 15، والأذى يشمل بالضرورة كل أنواع الأذى المادي المنظور، وهو قصد الرسول في هذا الحديث، كما يتناول أيضا الأذى الخفي غير المنظور بالعين المجردة، وهو ما كشفت عنه الوسائل الحديثة من التلوث الكيميائي والهوائي وغيره من أنواع التلوث الضار، وترْك الناس أحرارا في إلقاء هذه النفايات -أفرادا كانوا أم مصانع وشركات-، يتنافى والعدل الذي قامت عليه شريعة الإسلام، ويتناقض مع مبادئ الدين الحنيف، ومن أهمها منع الظلم، الذي أعلنه المولى في الحديث القدسي: عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى "إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الظُّلْمَ وَعَلَى عِبَادِي فَلَا تَظَالَمُوا". 16. وزكاه المصطفى بقوله: "إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " 17.

ومن تعاليم المصطفى عليه السلام في ما يتعلق بالحفاظ على البيئة الطبيعية النظيفة، ودعمها، حديث رواه "أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ" 18.

وفي هذا الحديث النبوي دلالات حضارية سامية، منها تقديس العمل، والحث على عمارة الأرض إلى آخر لحظات عمر الإنسان، وابتغاء النفع للبشرية جمعاء، وتحفيز على تحسين البيئة والعمل على توسيع المساحات الخضراء. لما لها من أهمية استراتيجية في دعم التوازن البيئي، فضلا عن تحقيق الأمن الغذائي، وهذه القضايا مما يشغل الناس، بل أصبحت من هواجس البشرية في عصرنا الحاضر.

5. معالجة مشكل البيئة من منظور أصولي مقاصدي:
جاء الإسلام دينا لتنظيم الحياة، وعلاج مشاكل الناس في الواقع، لا ليظل حبيس الجوامع والصوامع، ومما أضحى من مسلمات الفكر الإسلامي أن الهدف الأسمى للشريعة في مختلف أحكامها تحقيقُ مقاصد التكليف، وتتلخص مقاصد الشريعة أساسا في جلب المنافع ودفع المضار، وتحت هذه المظلة تندرج تفاصيل الأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة، وما استنبطه المجتهدون عبر العصور، وقد وضع علماء الأصول قواعد تفصيلية للترتيب بين المسائل عند تعارض المنافع والمضار، ينتظمها ما رواه عبادة بن الصامت، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" 19، ومنه استبنطت قواعد فقهية عرفت بقواعد رفع الضرر، أهمها:
1- الضرر يزال.
2- دفع المضرة أولى من جلب المنفعة.
3- لا يدفع ضرر بضرر مثله.
4- يرتكب الضرر الأخف لدفع الأعظم.
5- يرتكب الضرر الخاص لدفع الضرر العام.

فغلق مصنع كيماوي في منطقة سكنية، يغدو أمرا حتميا، يجوز معه تحمل إصابة صاحبه بخسارة مالية، حتى نتجنب الإضرار بالمجتمع، وإصابته بمرض عضال، أو تسبب خسائر فادحة في علاج هذه الأمراض.

وإعادة التوازن البيئي من إماطة الأذى، وهو من صميم شعب الإيمان كما أخبر الرسول الكريم: "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ" 20.
   
6. الواقع المعيش في البلدان الإسلامية:
واقع العالم الإسلامي اليوم أزاء قضية البيئة لا يبعث على التفاؤل، فمعاول هدم البيئة وإفساد المحيط نشطة بكل مكان، رغم إدراج مواد "دراسة الوسط" في بعض المنظومات التربوية، وبث بعض البرامج الإعلامية لتعميم الوعي بأهمية القضية لدى الرأي العام، وإنشاء بعض الجمعيات النشطة في هذا المجال، مثل "الجمعية الوطنية للحفاظ على البيئة ومكافحة التلوث".

فالمصانع لا تزال تهدي للتجمعات السكانية نفاياتها في الهواء والماء ، وعوادم السيارات العتيقة تنشر دخانها السام على الراجلين، وتصيب صدورهم بما تنفثه من أول أوكسيد الكربون، وقمامات المنازل تزين المحيط وسط المدن وما حولها، وتزاحمها أحياء الصفيح، حيث ينشأ الصبيان ويستقبلون الحياة، وملاعبهم في المجاري والقمامات، وتظل هذه المشاهد أحلى ما يحفظون من ذكريات.

وينعدم الحس الحضاري لدى الأفراد في مختلف مواقع العمل ومراتب المسؤولية، فتجد المدخن يلقي حيثما يحلو له بأعقاب السيجار، وربة البيت ترمي على رؤوس المارة كيس  مخلفات الدار، وصاحب المتجر يزين متجره ويهدي نفاياته لعتبة الجار.

تجليات إهمال البيئة عندنا لها مظاهر عديدة في المساكن والشوراع والساحات، وأماكن العمل، وفصول المدارس، وحرم الجامعات. وأماكن التجمعات. وذلك كله نتيجة انعدام الوعي، وانتشار الأنانية وقصور النظر، والقائمة أطول من أن تحصرها صفحات أو مجلدات، وكتاب الواقع أكبر شاهد، وأصدق برهان، والأدهى من ذلك أن يحسب كثير من الناس، أن هذه القضايا أمور شخصية لا علاقة لها بدين ولا بآخرة، وهي في الحقيقة من صميم أحكام الشريعة، وإن جهل ذلك الكثيرون، أو تعامى عنه المبصرون، ومتى قام الجهل حجة لأحد في ميزان الشرع والقانون؟.

بل قد تجاوزت هذه الانحرافات السلوكية إلى تصور الناس عن الإسلام أنه دين التسيب والإهمال ، وأن لا علاقة له بالنظافة والجمال، وتلك نتيجة منطقية لسلوك أهله، وجهلهم بتعاليمه، فكانوا سببا لتنفير الناس عنه.

إن دور الجامعة الإسلامية في الحفاظ على البيئة دور هام، إذ المفروض أن تكون رائدة في نشر الوعي البيئي بمفهومه الحضاري والديني معا، بدءا بسلوك أفراد الأسرة الجامعية، ونشرا للوعي البيئي في التعليم وسائر المؤسسات، وتتميما لذلك بتجسيد القدوة في الوسط الأسري والاجتماعي، في دوائر منداحة، حتى يعم هذا الوعي أوساط الناس، ويعود للبيئة اعتبارها وقيمتها في دنيا الناس، وينعم الجميع بحياة متزنة وبيئة متوازنة.
وما ذلك على أولي العزم بعزيز.
 

1_  دكتور زين الدين عبد المقصود، البيئة والإنسان، علاقات ومشكلات، دار البحوث العلمية، الكويت، 1401هـ-1981م، ص7.
2_  هذا المفهوم أكده مؤتمر استوكهولم عام 1972، ويعبر عنه بالإنكليزية: Environment is everything that surround "man." البيئة والإنسان، ص7.
3_  سورة الرعد، آية 19.
4_  البيئة والإنسان، ص99.
5_  سورة البقرة، آية 164.
6_  سورة البقرة، آية 22.
7_  سورة عبس، الآيات 25-32.
8_  سورة الجاثية، آية 13.
9_  سورة البقرة، آية 205.
10_  سورة البقرة، آية 11.
11_  سورة البقرة، آية 251.
12_  أحمد، المسند، كتاب من مسند بني هاشم، حديث 2710. -الهيثمي، مجمع الزوائد، ج1، ص  204. ونقع الماء هي عين الماء.
13_  المنذري، الترغيب والترهيب، ج1، ص  81. وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.
14_  رواه مسلم كتاب الطهارة، حديث 269. ومعنى يتخلى: يقضي حاجته.
15_  رواه الربيع، في المسند، ج4، حديث981.
16_  صحيح مسلم، كتاب البر وصلة الآداب، باب تحريم الظلم، حديث 2577.
17_  مسند أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، حديث 6798.
18_  مسند الإمام أحمد، باقي مسند المكثرين، حديث رقم12569.
19_  ابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، حديث 2340.
20_   صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، حديث 35.
المشاهدات: 4348

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy