veecos.net

دبلوماسية كرة القدم

إرسال إلى صديق طباعة PDF
الجزائر مصر - كأس العالم كرة القدم
أ.د أبو القاسم سعد الله

في الشهور الأخيرة لاحظنا انسياق بعض المعلقين الرياضيين والإعلاميين في كل من مصر والجزائر وراء حماس وشوفينية لا مبرر لها بشأن مباراة الكرة بين البلدين. فقد صور الخيال الخاطئ لهؤلاء أن هذه المباراة هي حرب، فيها انتصار أو انهزام، وأن ميدانها هو ساحة نزال ضروس لا ملعب مباراة رياضية، وأن كأس العالم فيها كل الشرف وكل الحياة، وإن دون إدراكها العار والشنار.
يا الله ماهذه البلدان التي يقودها الغوغاء، وتفكر لها نخبة عمياء بآذان صماء.. نخبة تزرع الشقاق بين شعوبها، وتغرس البغضاء بين نظمها، وتنحرف بالرياضة عن مسارها وحقيقتها، وتضع نفسها ألعوبة في أيدي من يكيدون لتمزيق العرب والمسلمين وأداة لتدمير حضارة بنيت على تقوى من الله ورضوان، بسواعد الفرسان والأبطال والمجاهدين، وعبقرية العلماء المخترعين، والأدباء والمؤرخين، والمفسرين والمحدثين، والفقهاء والفنانين المبدعين.

لقد آن لهذه الخطيئة أن تغسل بالماء والصابون وأن يتوب مرتكبوها إلى الله وإلى شعوبهم، وأن يرجعوا إلى الحق بالحديث عن الرياضة والفوز والخسران على أنها من طبيعة هذه المباراة الوطنية والأممية، وأنه ليس في الرياضة نجاح مطلق ولا انهزام دائم، فأيامها دواليك، ونتيجتها إما سعديك وإما نحسيك، وعلينا أن نتعلم من الغير في هذا الميدان كما نتعلم منه كل يوم أشياء جديدة. لقد إعتاد الأوروبيون والأمريكيون أن يأتوا-إذا أرادوا إذابة الجليد عن قضية تعقدت حتى أصبحت تهدد العلاقات بين الدول وبلغت منها القلوب الحناجر- بأنواع من الحلول يطلقون عليها أسماء تدل على فاتحة الإنفراج. فهم يبدأون الخطوات الصعبة بالحركات السهلة، ويحاولون لوصول إلى النتائج الخطيرة بالمقدمات البسيطة.
فمثلا حين أرادوا إيجاد حل لحرب الفيتنام لجأوا إلى طريقة أصبحت معروفة في أدبيات العلاقات الدولية بـ « دبلوماسية تنس الطاولة »،  كان ذلك حين بادر الرئيس نيكسون بزيارة الصين فجاة فردت هذه بإرسال فريق من لاعبي التنس إلى أمريكا. وحين أراد الأمريكيون  التدخل في شؤون الآخرين بطرق التأثير والإغراء سموا ذلك التدخل"دبلوماسية الدولار".
وفي أواسط القرن التاسع عشر ضغطوا مع بريطانيا على الصين لكي تفتح أبوابها أمام التجارة العالمية وتخرج عن عزلتها، وقد سموا ذلك الضغط "دبلوماسية الأبواب المفتوحة"، ثم سمعناهم في السنوات الأخيرة يستعملون عبارة"دبلوماسية الخطوة خطوة"، وهكذا.

ومن حقنا، ونحن على أبواب مقابلة في كرة القدم تجمع الجزائر ومصر، وفي ضوء ماحدث أن نلجأ إلى حركة نسميها «دبلوماسية الكرة »تطهر النفوس من الرواسب وتفتح آفاق التعاون والتفاهم بين الشباب الرياضي وأنصارهم. ويجب أن تشترك في هذه الدبلوماسية جميع الأطراف وعلى جميع المستويات. فهي ليست خاصة بالجهاز الأعلى للدولة في كل بلد، بل هي مفتوحة أمام الأجهزة والمؤسسات والمواطنين في البلدين لأن المصلحة العليا لكليهما تقتضي ذلك، ولأن الروح الأخوية والقومية تفرضه.

لقد حدث في الماضي ما لا ينفع الناس ولا يخدم العلاقات بن شعبين شقيقين تربط بينهما أكثر من رابطة ، ولكن التصرف الأهوج والتنطع اللامسؤول خلقا جوا محموما حتى كادت الأمور تتطور إلى مالا تحمد عقباه، بل إلى حافة الإنحراف عن الإتجاه الصحيح. إن العارفين بخبايا الأمور يدركون أن هناك من يعمل في الخفاء على تسميم الجو بين البلدين ، كما يدركون من هم أصحاب المصلحة في تعكير العلاقات بينهما. ولأعداء الجزائر ومصر أكثر من يد يضربون بها وأكثر من سلاح يبطشون به. لذلك، وجب على الجميع في البلدين العمل على تلقيح ضد هذا الطاعون الخطير، ومنع العبث بمصير الشباب والعلاقات الأخوية العميقة. وعلى الجميع أيضا البحث عن طرق العلاج والوقاية وسبق الأحداث. فالأمر يحتاج إلى «دبلوماسية الكرة » التي تكبح جماح الشاردين دون مواجهة، وتكشف الغطاء عن المشبوهين  دون  تردد، وتنزع الطعم من أيدي الصائدين في الماء العكر دون رحمة.

لا نتصور أنه من الضروري أن تلجأ سلطات البلدين إلى إصدار قرارات ولا إلى وضع متاريس وحواجز، بل يكفيها أن تعمل بحكمة وهدوء كي تصبح الكرة أمرا عاديا فيه المنتصر والمنهزم بدون تشنج، وفيه قبول النتائج كما أنجزها الفريقان المتنافسان في الميدان، بدون ألفاظ تحريضية ولا إثارة شوفينية ولا خطاب جماهيري مهيج يمحو الحسنات ويضخم السيئات. وعلى سلطات البلدين بوسائلها المتعددة وخطابها المدروس أن تفهم الناس أنهم أمام لعبة كرة قدم بين أشقاء وأصدقاء، وليس في معركة اليرموك أو حطين أو فتح عمورية.
إنه ليحز في القلب أن نرى الشباب في البلدين وقد نسي نفسه وتاريخه وتقاليده بفعل التوجيه السيء، ونسي أنه أمام ضيوف هنا أو هناك، وأن من حق الضيف في تقاليدنا التكريم والترحيب وليس التصغير والتحقير وإطلاق العبارات النابية. وإنه ليحز في النفس أن تقف بعض الصحف والفضائيات «باسم الوطنية» هنا كما هناك وقد اختارت من اللغة أكثرها إهانة وبذاءة ومن الأوصاف أشدها إساءة لضيوفها.

إن تاريخ مصر والجزائر تاريخ مشرف مليئ بالمواقف البطولية والقومية، بعض هذه المواقف أصبح معروفا وبعضها لم يكشف عنه بعد، وقد تعرض كل بلد في سبيل الآخر إلى اعتداءات موثقة تشهد بأنهما شريكان في السراء والضراء وأن عدوهما واحد ومصيرهما واحد . وما الربط بين الثورة الجزائرية والعدوان الثلاثي على السويس وبورسعيد وتسليح إسرائيل بالنووي إلا قليل من كثير، وما الالتحام الأخوي أثناء معركة العبور إلا مثل آخر لا يخفى إلا على من عميت أبصارهم وبصائرهم واسودت قلوبهم وكان في آذانهم وقر.
ولا يخفى كذلك عن المصريين الوطنين أن هناك أشباحا لا تريد إبقاء العلاقات الودية بين مصر والجزائر، كما يعرف الجزائريون الوطنيون أن مصر تمثل السند الحقيقي لبلادهم إذا جد الجد، واحتاجت إلى السند والمدد، لذلك فإن المطلوب من القوى الحية في البلدين أن تعمل على ألا تنزلق الأمور في إتجاه ليس فيه مصلحة لكليهما، وعلى المصريين أن يعلموا أن  الجزائريين قد عانوا من تدخلات أجنبية غير مرئية كلما توجهوا نحو المشرق وحاولوا الرجوع إلى حضارتهم القومية. كما أن على الجزائريين أن يعرفوا أن مصر تواجه مؤامرات تحاك ضدها في الظلام وحتى في رابعة النهار لكي يتقزم دورها في نصرة القضايا العربية باعتبارها مركز الثقل في الشرق الأوسط.

وقد بدأ هؤلاء المتأمرون ينشطون منذ ثورة نوفمبر ثم إزدادوا تكالبا وتآمرا بعد الإستقلال، فقد ضاعفوا من تحركاتهم حين ظهرت حاجة الجزائر إلى الشرقيين لتعليم اللغة العربية التي عانت من الإضطهاد آثناء الإحتلال الفرنسي. وكان مفهوم «الشرقيين» عند كثير من الجزائريين آنذاك يعني المصريين خاصة. للأسف، فإن بعض الجزائريين آنذاك صدقوا ذلك وانساقوا وراء الدعاية السوداء التي تقول إن التعليم الذي نشره المصريون  هو سبب التخلف و الإرهاب في بلادهم.
ليس هنا مقام الحديث عن دور مصر في تاريخ حركتنا الوطنية(وقد عالجناه في بعض كتبنا) وعن علاقتها ببلادنا منذ الفتح الإسلامي، وربما قبل ذلك، ولا عن مكانة الجزائر في تاريخ مصر السياسي والعسكري والديني والثقافي، إن ذلك يمثل في الحقيقة رصيدا للمتحدثين باسم « دبلوماسية الكرة » في كلا البلدين.

وهكذا، فإن الذي سيحول النار إلى رماد هو فن القول وحسن الخطاب، وهو الطب النفسي وبلسم الأخوة، وباختصار هو الدبلوماسية والحكمة والوعي بحاضر ومستقبل العلاقات بين البلدين. ففي الشباب هنا وهناك، بطالة وتذمر، وفي الشباب اندفاع وعنف ومشاعر قابلة للتفجير، فلتبتعد به الدبلوماسية عن الإثارة والتهييج، ولتذكره بالقيم المشتركة بين مصر والجزائر، وبالروح الرياضية الحقة وفضيلة السيطرة على النفس، موضحة له أن الحظ الذي قد يعبس اليوم قد يبتسم غدا ، وأن العلاقات بين الشعبين هي الباقية، وأن ربح مباراة رياضية ليس دليلا على الوطنية من عدمها، وأن المباريات مجال لتنافس أجيال الغد. وأما الخلود والبقاء فللشعبين والقيم المشتركة والمصير الواحد.

 

 

التعليقات (6)

RSS خاصية التعليقات
فلتكن مباراة عنوانها"معا من أجل فك حصار غزة"
0
بسم الله الرحمان الرحيم
شكرا لك يا أستاذنا على هذا الإلتفاتة البديعة
بديع ما أشرت إليه أن أعداء الله يترصدون للأمة الإسلامية الدوائر ويحاولون الإصطياد في المياه العكرة وهذا طبع من لا خلاق له
هي بكل بساطة مباراة كرة قدم أراد لها البعض أن تصبح عنوانا لعداء بين شعبين وحدهم الإسلام قبل أن توحدهم السياسة والجغرافيا...
أدعو من صميم قلبي أن تكون هذه المباراة عنوانا لحملة إسلامية عربية إنسانية هي " الإنتصار لأهلنا في غزة"
فهل من مؤمن على دعوتي...
نور إسلام , نوفمبر 12, 2009 | url
هل هناك من مخرج مع هذا الدين الجديد
حاج سليمان
عذراً إن جاءت الأفكار غير متناسقة مع الموضوع ومن غير دبلوماسية
يعني في خضم هذا الزخم من التصفيف والترتيب للأفكار والتوجيه للبلدين عموماً , وللجزائر خاصة , يتساءل العبد الضعيف بعد أن قرأ لكم :
مع موضوع الدكتور المسيري وتحليلة لظاهرة كرة القدم وما أوصلتنا من توصيف رهيب لقيمة الإنسان؟؟
ثم مع موضوع الأستاذ جابر باباعمي وهمسته الإيمانية وما صارت عليه ظاهرة كأس العالم ؟؟
ومع إشكال الدكتور أبو القاسم والتنبيه للخلط الخطير الذي وقع فيه المشتغلون بالرياضة في جانبها الإعلامي ؟؟
نتساءل وأكيد أنكم كذلك في هذا الفضاء النير , قلت نتساءل هل هناك عمل أو مبادرة أو فكرة عامة أو خاصة , يستطيع الموقع أن يوجه بها الأمة ويساهم في وضع بدائل وحلول لهذا المرض الرياضي الذي يأخد حيزاً مهماً من تفكير ناشئتنا وأبناءنا بل حتى نساءنا وشيوخنا ....
ربما بمعنى أدق هل يمكن أن تصبح ظاهرة كرة القدم والوطنية الزائفة التي تحوم حولها موضع اهتمام من قبل الباحثين أم لا ؟؟ يعني ربما لا ينبغي أن نولي كل هذه الأهمية للموضوع في جانبها التربوي والعقدي , ونترك الحابل على النابل وننتظر نتيجة اللقاء فربما تخسر الجزائر ويتوقف كل شيئ ؟؟
والعياذ بالله إذا فازت الجزائر فإن المشكل سيزداد ضراوة ومطالب الإهتمام بمشاكل التعليم مثلاً ستبقى رهينة الأدراج حتى نهاية بطولة كأس العالم
ولا نتكلم عن باقي المشاريع الحضارية التي رهنتها هذه القطعة الجلدية المنفوخة
هي إرهاصات عابر سبيل يتألم لما يحدث في جزائر العزة والكرامة من غير تسييس ولا سياسة , وحال إخوانه وأمته في غياهب الكرة لاهون وعن مستقبل الجزائر غائبون

ترى هل رئيس الجمهورية هو راض على هذا الوضع الحرج للجزائر ؟؟؟
حاج أمحمد , نوفمبر 12, 2009
شعارنا لنحول النار الى رماد
0
موضوع في القمة وطرح رائع حقيقة انه من الجميل من بعض مثقفينا تبصيربعض جهلتنا اللذين استغلوا من هنا و هناك ،وتوضيح لهم بعض الصور لنزع الغشاوة التي وضعوها المفسدين في الارض على اعينهم لقضاء مصالحهم من وراء ذلك وعلى حساب هؤلاء ،و من الجميل من مثقفينا تعريف هؤلاء الجهلة بانفسهم هم من يكونون و ماذا يفعلون أصلا،فهم كأوراق الخريف في مهب الريح تلعب بها و تسيرها كما شاءت،وأشكر أ.د على هذا التحليل الدقيق لهذه الاحداث والتي ندعو الله ان تمر بسلام وان تكون هذه المبارات مصفاة للخلفيات بين الفريقين
أبو يوسف , نوفمبر 12, 2009
الدين الجديد المتجدد
حاج سليمان
اقتباس من الشبكة
حادثة الصبية بمصر الكبيرة

مشهد من الصعب تصوره

وهو الوجه الذي يطل به زارعو الفتنة في الخامس عشرة من نوفمبر،

حيث تنتهي مباراة كرة ونعود إلى واقعنا،

حيث لن يغير النصر حالة الفقراء والمحرومين

ولن تغير الهزيمة حال الجشعين والمحتالين..

ولكن حساب الضمير سيبدأ بالتأكيد في الحالتين.
حاج أمحمد , نوفمبر 13, 2009 | url
وصمة عارٍ في تاريخ الأجيال اللّاحقة
0
إذا قدّر اللّه و مكّنَ لجيلٍ من بعدنا فسنصبح وصمة عارٍ في تاريخه
الحمد لله أن فينا منَ العقلاء منْ يمشي ضد التيار،
فهي شهادة للتاريخ و إن كان المشي ضد التيار لا يُأبَه به، بل يعتبر سالكه مجنونا
شكرا لكم
ملاحظة قبل قراءة المقالات كنت أعتبر مخالفة التوجه السائد لا يجدي
بلمصطفى محمد , نوفمبر 16, 2009
...
0

تحياتي للمدونة
و الحمد لله الموضوع انتهى على خير و ليس بيننا و بين أهل الجزائر إلا كل احترام متبادل
http://shayunbiqalbi.blogspot....st_28.html

قد استعنت بكلماتك الهامة و نشرتها في هذه التدوينة
SONNET , نوفمبر 28, 2009 | url

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية
وسام العالم الجزائري
الطبعة الأولى 1428-2007

استطلاعات الرأي

ما هو أهم مقياس للعَالِم في رأيك ؟