
لاريب في أن الذين لهم أعين يبصرون بها، ولهم آذان يسمعون بها، ولهم قلوبا يشعرون بها، ولهم عقول يدركون بها من أبناء أمتنا يكابدون فى هذه المرحلة التى تمر بها أمتنا الأمرين، لما توجد فيه من تعاسة وبؤس! فهذا فقر مدقع، وهذا جهل - بسيط ومركب- فظيع، وهذا تقتيل شنيع، وهذه سرقات رهيبة من "كبار" القوم، وفى وضح النهار، وهذا دوس لكرامة الناس، وهذه رشا يخجل منها من لا حياء له، وهذا تسمر في كراسي الحكم ليس له نظير، وهذا غش في جميع المجالات، من الامتحانات، إلى المنشآت، إلى الانتخابات بمختلف الدرجات والمستويات...
وقد أضيف في هذه الأيام في مصر والجزائر إلى هذه الكوارث هذه الحادثة المبكية - المضحكة معا، وهي هذه "المباراة" التي ستجرى يوم 14 نوفمبر في ملعب القاهر بين من يسمون "الفراعنة" ومن يسمون "محاربي الصحراء"، واذا كان أبو الطيب المتنبي قد قال قدما:
وماذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء
فإنني أستسمح روحه في أن أضيف إلى بيته، الذي صار مثلا سائرا، كلمة ولو كسرت بها الوزن العروضي في قول:
وماذا بمصر- والجزائر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء
لقد قرأت وسمعت كلاما هنا وهناك يدعو إلى احتقار أصحابه، لأن ما تسطره "أقلامهم"، وما تتفوه به ألسنتهم ذو رائعة منتنة، عكرت أجواء البلدين، بل المنطقة العربية كلها . . .
إن ما سمعته وما قرأته - وما سمعت وما قرأت إلا قليلا- يجعلني أجزم أن نسبة قائليه وكاتبيه إلى "الآدمية" ظلم. فهم أقرب إلى . . . منهم إلى البشر. ألم يكف ا الجزائر ومصر ما هما فيه من بلايا حتى يضيف بعض "أبنائهما" إليهما هذه "البلية" ؟
إنني أشم في هذا الذي يقال ويكتب هناك وهنا توجيها من شياطين الإنس، ومن سماسرة. . . لاختلاق "معركة" تصرف بها أنظار الجائعين والعراة والضائعين هنا وهناك عن السراق، والمرشين، والطاغين، وتلهيهم عما يكابدونه من احتقار واستغلال، وضنك معيشة. . . واللوم، كل اللوم على هؤلاء "الكاتبين" والمتحدثين الذين قبلوا أن يكونوا "دمى" يحركها هؤلاء الشياطين.
أما هؤلاء الذين يصيحون هنا وهناك، وينعقون هناك وهنا "تشجيعا" في زعمهم لهؤلاء "المحاربين" ولأولئك "الفراعين"، فإنهم يفعلون ذلك لأنهم لا يجدون في البلدين شيئا يفتخر به، حتى إن أحد الظرفاء سمى هذه الضجة الكبرى "وطنية الكرعين"، هذه الوطنية التي صورت هؤلاء "المحاربين" وأولئك "الفراعين" أقرب إلى "المرتزقة"، حيث يجتهد "المسؤولون" في البلدين المنكوبين في إغراء هؤلاء اللاعبين بمئات الملايين إن هم ربحوا "المعركة".
إن هذا التشجيع المجنون هناك وهنا إنما هو تعويض عن حالة البؤس، والشقاء، والذلة التي يعيشها الناس؛ فالاقتصاد فاشل، والصناعة منعدمة، والزراعة بائرة، والتجارة كاسدة، والسياسة فاشلة، والتعليم - بجميع مراحله - متدن، والأخلاق منحطة، والأمن متدهور... وهذا كله جعل "الفاشي" هنا و"الغلابة" هناك "يلهثون وراء هذا السراب، وهم يحسبونه من عذب الشراب.
لقد أهان بعض الذين يحسبون أنفسهم على شيء -هنا وهناك - الوطنية، إذ أنزلوها من عقول الناس وقلوبهم إلى هذه "الكرعين" التي ستتعاور جلدة منفوخة يوم 14 نوفمبر في ملعب القاهرة، حتى ذكرنا هذا بقول القائل:
خير أعضائنا الرؤوس ولكن فضلتها "بقصدك" الأقدام
لقد تسفل بعض الناس وسفهوا أنفسهم إذ صوروا هذه المباراة "معركة"، يتوقف عليها"شرف" هذا البلد أو ذاك، وراحو يلبسون على "الغاشي" و"الغلابة"، ويدوخونهم بما يخرجونه من أفواههم مما يستحيي الأسوياء من البشر من إخراجه من السبيلين..
لو أعطى الناس هنا وهناك عشر ما أعطوه لهذه "الجلدة المنفوخة" من اهتمام لتغلبنا على كثير من مآسينا التعليمية، والاقتصادية، والاجتماعية، ولخرجنا من هذه الوضعية الأسوأ التي نوجد فيها، حتى لم يعد أعداؤنا يشمتون بنا؛ ولكنهم صاروا يشفقون علينا منها1 وعودة إلى المتنبي - رحمه الله - الذي تركها كلمة حكيمة في الدهر، إذ يقول:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت فى مرادها الأجسام
واستسمح شاعرنا الحكيم مرة أخرى لأنسج على منواله وأقول:
وإذا كانت النفوس "صغارا" "ورمت" في مرادها الأجسام
وأختم هذه الكلمة التي عصرتها من قلبي بنكتة أخفف بها عن القارئ، وهذه النكتة تنطبق على هؤلاء الفتانين، الذين يفعلون ما يفعله الشيطان من النزغ بين الإخوان، وهذه النكتة تقول: إلتقى "إنسان" بحمار، فعيره قائلا: ألا تستحيي من طول أذنيك فرد عليه الحمار: كما لا تستحيي أنت من طول لسانك. فاستحيوا قليلا يا طوال الألسنة، ويا قصار الأنظار، ويا صغار النفوس.
أ. محمد الهادي الحسني
التعليقات (11)
يقول حكيم: أوقد شمعة...
الحمد لله
ونحمد الله على أن المباراة انتهت دون مقصى ولا متأهل، لأن إقصاء الفراعنة كان سيؤدي إلى عواقب وخيمة ربما في الشارع المصري، وقد يدفع ثمنه الجزائريون الذين ناصروا فريقهم هناك. كما أن إقصاء الفريق الوطني كان ظلما لو حدث، لأنه تعرض فعلا لما يدعو لإلغاء المباراة وجعلها تجري في ملعب محايد.
المباراة الآن انتهت ولم تنته الدنيا، وسيتقابل الخضر مع الفراعنة في مناسبات قادمة، وسيلتقي الجزائريون مع المصريين في كل مكان في العالم، وستكون ذكرى 14 نوفمبر غير مشرفة لكم، يا سمير زاهر ومن معك. وأعيد أن الشعب المصري غير معني بما أقوله هنا.
وصمة عارٍ في تاريخ الأجيال اللّاحقة
الحمد لله أن فينا منَ العقلاء منْ يمشي ضد التيار،
فهي شهادة للتاريخ و إن كان المشي ضد التيار لا يُأبَه به، بل يعتبر سالكه مجنونا
شكرا لكم
ملاحظة قبل قراءة المقالات كنت أعتبر مخالفة التوجه السائد لا يجدي
خافضة رافعة
وصية دكتور مصري لطالب جزائري هارب من الفتنة
غيرنا يتنافس في العلم والاقتصاد وكل ما يبني أوطانهم ونحن نهدم ونخرب أوطاننا بأيدينا.
أخي العزيز وأنا أنقل إليك وصاية من أحد الدكاترة المصريين الذي تحدث إلي أكثر من مرة لما كنت في القاهرة ليطمئن علي وعلى الطلبة الجزائريين في القاهرة. ولما عرف بأننا هاربون بأنفسنا من الفتنة حزن لذلك أيما حزن وأوصاني بأن أخبر أهلي وعائلتي وزملائي "بأنه ليس من شيم كل المصريين ما يقال من كلام وما يفعل من سلوكات.. وشدد على أن ما تسمعونه في الإعلام المصري هو لشرذمة قليلة من المصريين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم"
ولعلها ابتلاءات متلاحقة لعلنا نوقظ ضمائرنا وهممنا، ولكن لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
الوحدة العربية
الوحدةوحدة الدين قبل العرق
...
لكنه ضحك كالبكاء
استاذن سيادتكم فقد أشرت للمقال كاملا مع وضع الرابط على مدونتي
و قد استمعت لحديثكم الموقر من أيام لقناة المستقلة فاعجبني أي إعجاب
لكنها الضاد في لهواتنا تابي لغير العز أن تخضع
تحية اجلال لك يا أستاذنا الرائع
استاذنا الكبير ... اشكرك جزيل الشكر والعرفان على مداخلتك الرائعه والرائعه جدا بقناة المستقله والتي اثبت فيها كم هي عظيمه بلاد المليون ونصف شهيد ..
لا اخفيك سرا باني اصبحت ابحث بنهم على كتاباتك وكتبك لاشبع نهمي واتمنى لك طول الحياه ..
اخوك من السعوديه ..




