منهجية ضبط إشكالية البحث

إرسال إلى صديق طباعة PDF

أشكل الأمر أي التبس واختلط، و"المشكلة" هي الأمر الصعب الملتبس والمشتبه، ولم نقف فيما اطلعنا عليه من القواميس القديمة على مصطلح "الإشكال"، أو "الإشكالية". والإشكال مصدر يعني الإلتباس والغموض، و"إشكالي" صفة تعني معضل ومخيل وملتبس.
ولا شكَّ أنَّ "الإشكالية" أو "مشكلة البحث" لا تخرج من هذه المعاني،

غير أننا –في هذا المقال – نفرِّق بين مصطلحي "الإشكالية" و"المشكلة"، بأنَّ الأول ما التبس من الأمور وكان له حلٌّ علمي ممكن، أمَّا المشكلة فتعني ما التبس وليس له حل منهجي وعلميٌّ ممكن.
ومما يدعم هذا الاختيار أنَّ لفظ المشكل والمشكلة أخذ دلالات نفسية وإجتماعية معقدة، أمَّا لفظ الإشكالية فبقي غير مشحون بهذه الأثقال.

تعريف الإشكالية الاصطلاحي:
إشكالية البحث هي: "جملة الأسئلة الجديرة، التي يطرحها الملاحظ العلمي، حول ظاهرة معينة، وهي أسئلة قابلة لإيجاد جواب منطقي، يمكن من فهمها أو تفسيرها أو التحكم فيها، بناء على تقسيم معين، حسب تخصص الباحث"بهذا التعريف يخرج كلُّ سؤال غير جدير، كأن يكون فضفاضا، أو بسيطا مبتذلا، أو معقدا مستحيلا...
ويخرج منه كلُّ سؤال يطرحه إنسان عاديٌّ، لا يملك آليات البحث، بل هو يكرِّر ما سمع، دون وعي ولا قدرة على الوصول إلى نتائج معتبرة، فحتى إذا كان سؤاله في حدِّ ذاته جديرا، غير أنَّ صدوره منه يقلل من قيمته، إلاَّ أن يتناول ملاحظٌ علمي الجواب عنه منهجيا.
ثم إنَّ السؤال يُشترط فيه التعيين، فقد يحمل صفة الشمول، وعدم التعيين، فيستحيل البحث فيه، أو إيجاد جواب جدير له.
والقابلية لإيجاد جواب من الشروط الأساسية للإشكالية؛ لأنَّ عدم القابلية لإيجاد جواب على السؤال يحوله إلى لغز، ويخرجه من دائرة البحث العلمي.
هذا الجواب يُشترط فيه أن يساعدنا على فهم الظاهرة، أو تفسيرها، أو التحكم فيها، أو يمكِّننا من المعرفة أننا عاجزون عن فهمها، أو تفسيرها، أو التحكم فيها؛ فليس المطلوب من البحث العلمي أن يدعي الباحث أجوبة، أو يلفق حلولا، بل غايته هو الوصول إلى الحقيقة، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، وكم من جواب سلبي عن إشكالية معينة كان له من القيمة العلمية ما لم يكن لتلفيق جواب إيجابي لها.

ويشترط في الإشكالية أن تكون ضمن تخصُّص معين، أو تقسيم معين، أو نظرية معينة، وما ذلك إلاَّ لتعقد العلوم وتشابكها، وعجز الإنسان –مفردا – عن استيعابها جميعا، أو ادعاء الإلمام بها مجملة، ولذا كان احترام التخصص من أبجديات البحث العلمي الجاد.

القابلية والأهمية:

أهمُّ خصائص إشكالية البحث، والتي نعرف بها ما إذا كانت هذه الإشكالية جديرة أم غير جديرة، تلخص في نقطتين، هما:
*أولا- القابلية للإنجاز (؟؟؟؟؟): إذ لا معنى من ادعاء إشكالية هامَّة جدا، ولا خلاف في أهميتها، غير أنها غير قابلة للإنجاز أساسا، أو أنَّ الباحث لا يملك الآليات والتخصُّص والقدرة على إنجازها، ولذلك فإنَّ القابلية للإنجاز، تدفع الباحث لتضييق نطاق بحثه، إلى الحدِّ الذي يجعله في متناول الدراسة الجادة والمفيدة.

*ثانيا- الأهمية: فبحث لا أهمية فيه للدين، وللعلم، وللفرد، وللمجتمع، هو نوع من هدر الطاقة، ومن الإسراف في الوقت، ومن البدهي أنَّ الدافعية لدى الباحث تخبو إذا أحسَّ أنَّ عمله غير هامِّ، وتتَّقد إذا شعر بالأهمية... وأهمية البحث تدفع الباحث إلى توسيع نطاق بحثه، لتحقيق أكبر قدر ممكن من النفع والفائدة للمجتمع.

أسئلة تساعد الباحث في ضبط إشكالية بحثه.
أ- معيار القابلية:
*هل تمَّ تحديد الإشكالية على نحو يسمح بالتحقق منها علميا؟
*هل تسهم هذه الإشكالية في تضييق الإطار العام للبحث؟
*على يمتلك الباحث الخبرة والمعرفة اللازمين لتناول هذه الإشكالية؟
*هل يملك الباحث الاهتمام الكافي لدراسة هذه الإشكالية؟
*هل تتوفر للباحث الوسائل المعنوية والمادية لتنفيذ بحثه (الوقت، الأدوات، المعلومات...)
*هل تمت صياغة الإشكالية على نحو يراعي أخلاقية البحث العلمي؟

ب- معيار الأهمية:
هل يتوقع أن يسهم تناول هذه الإشكالية في تحقيق واحد أو أكثر من الأهداف الآتية:
*تطوير المعرفة في إطار مجال التخصص؟
*تطوير نظرية ما؟
*تعميق مستوى الفهم لنظرية ما؟
*تطوير المنهجية البحثية؟
*تقييم ممارسات أو سياسات معينة؟
*تصحيح مسار معرفي معين؟1

وقد لخص جابر وكاظم معايير اختيار المشكلة في العناوين الآتية:
*حداثة المشكلة
*أهمية الإشكالية وقيمتها العلمية
*اهتمام الباحث بالإشكالية
*كفاية الخبرة والقدرة على معالجتها
*توفر البيانات والمصادر
*توفر الإشراف
*الوقت والتكلفة.

وبديهي أنَّ هذه النقاط لا تخرج عن دائرة "القابلية" و"الأهمية"، وإن كانت تسلط الضوء على بعض الجوانب الهامَّة، وهي:
*حداثة الإشكالية:
وخصائص الحداثة تلخص في "الجدَّة، والأصالة، والابتكارية"
*الإشراف والوقت الكافي وعوامل أخرى: على الباحث أن يأخذ في عين الاعتبار "اختيار موضوع يسهل أن يجد له الإشراف العلمي في الكلية التي يدرس فيها" أو على الأقل في وطنه، أو في الإمكان العمل معه، عبر الأنترنات مثلا... وأهمُّ شرط في المشرف أن يكون له اهتمام وصاحب تخصص في مجال البحث الذي يقدم عليه طالبه.

مصادر الحصول على الإشكالية
*التخصص: لا شكَّ أنَّ التخصص في فرع من فروع المعرفة يوفِّر للباحث إمكانية الاطلاع على الإنجازات العلمية في مجال بحثه، ويهديه إلى الإشكالية اللائقة والجديرة بالبحث، وكلما «اتصفت هذه الخبرة بالعمق والشمول في نفس الوقت كلما ساعدته على فهم مجال هذه المشكلات وأبعادها المختلفة، وتوفر هذا الفهم ضروري، وله قيمته في اختيار المشكلة وتحديدها»2

*برامج الدراسات العليا: توفِّر العديد من الجامعات برامج للدراسات العليا، وتنظِّم أياما دراسية ، مما يمكن أن يكون مجالا خصبا لبلورة إشكالية البحث، قبل بدء مرحلة البحث الحرَّة، التي تكون نتيجة لهذه البرامج.

*الخبرة الوظيفية: كثيرا ما أثَّر وظيف الباحث في اختيار إشكالية بحثه، فإذا اشتغل – مثلا – في قطاع التربية والتعليم، قد يتأثر بإشكالية معينة، ويرى ضرورة دراستها من مجال تخصصه، وهكذا.

*الدراسية المسحية للبحوث السابقة: هذه الدراسة تحتاج من الباحث مدَّة وجهدا في المكتبات المتخصِّصة، لمعرفة البحوث السابقة التي قد أنجزت في دائرة اهتمامه، حتى لا يكرِّر بحثا ما بحذافيره، ثم يقال له بعد مدَّة، أو يوم المناقشة، أو من قبل لجنة الخبراء قبل تسجيل الموضوع: "إنَّ هذه الإشكالية قد سبقك إليها باحثون، وهي مستهلكة".

*الدراسة المسحية للبحوث الجارية:
لا يكفي أن يطَّلع الباحث على الدراسات السابقة، وإنما عليه أن ينقِّب في البحوث الجارية، سواء في جامعته أم في غيرها، ولقد باتت وسائل الاتصال اليوم أسهل من ذي قبل، وضاق عذر من يعيد إشكالات مستهلكة دون البحث عمن يعمل في مجاله.
ثم إنَّ تقنية "البحوث الجارية" RIP، وبخاصة في الجامعات الغربية، قد تطورت بصورة كبيرة، لكنها للأسف ليس بنفس القيمة في الجامعات العربية.

*القراءة الناقدة: الباحث في الدراسات العليا قارئ قبل أن يكون متلقٍّ، وكلَّما ازداد حجم قراءاته، واتسعت مداركه كلَّما كانت بحوثه أكثر توفيقا، وأعمق أثرا، فبالإضافة إلى البحوث السابقة والجارية في مجال تخصصه عليه أن يطلع على ملخصات كتب المراجع العلمية، وكتب الثقافة العامة، والمجلات المحكمَّة وغير المحكَّمة، ومواقع الأنترنات الجادَّة في مجال اهتمامه... الخ.


*تلخيص الطالب رستم بن محمد باعمارة، من كتاب اختيار الموضوع والإشكالية، تأليف د. محمد موسى باباعمي -غير منشور-

1-  يمكنك العودة إلى كتاب جمال الخطيب: إعداد الرسائل الجامعية، دليل عملي لطلبة الدراسات العليا؛ دار الفكر، الأدرن؛ 1427هـ/2006

2- جابر عبد الحميد جابر وأحمد خيري كاظم: مناهج البحث في التربية وعلم النفس؛ دار النهضة العربية،القاهرة؛ 1989، ص48


المشاهدات: 29766

التعليقات (7)

RSS خاصية التعليقات
شكر و طلب
0
السلام عليكم ،أولا أهنئكم على هذا الموقع الرائع و الذي هو بمثابة مرجع لكل باحث ، ثانيا أهنىء صاحب الموضوع على موضوعه القيم و الذي استفدت منه كثيرا خصوصا و أنا أحضر لمذكرة التخرج في مجال علم النفس التربوي ، ثالثا أود لو تقدموا لنا بسطة في بعض المشكلات التربوية الراهنة بالإضافة إلى بعض المراجع في المجال نفسه و ذلك في ظل الشح الكبير للمراجع المتعلقة بعلم النفس التربوي و علم النفس المدرسي ، و في الأخير أسال الله لي و لكم التوفيق و السداد و الرقي . بهون علي محمد .ورقلة
الإبداع التربوي , فبراير 09, 2010 | url
التباس الفرق
0
....غير أننا –في هذا المقال – نفرِّق بين مصطلحي "الإشكالية" و"المشكلة"، بأنَّ الأول ما التبس من الأمور وكان له حلٌّ علمي ممكن، أمَّا المشكلة فتعني ما التبس وليس له حل منهجي وعلميٌّ ممكن. .....
أليس العكس هو الصحيح، لأن الإشكالية le problèmatique أكبر من المشكلة le problème وهذا يعود إلى إاشكال حل الإشكالية بينما المشكلة سؤال وراءه إجابة وحل. والله أعلم
Aicha-socio , أبريل 09, 2010
شكر .......
0
جزاكم الله الجنة....شكلااااااااااااااااا لكم ...
امينة مجاد , مايو 23, 2012 | url
كيفية صياغة اشكالية بحث
0
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : أنا طالب أحضر لشهادة ماجستير في تخصص علم النفس العيادي عنوان الرسالة هو : علاقة الإحتراق النفسي بلادافعية للإنجاز لدى معلمي التعليم الإبتدائي . لكنني وجدت إشكالا في صياغة الإشكالية ، هل يمكنكم مساعدتنا في ذلك وشكرا
أهمية الإشكالية في العلوم الإنسانية والإجتماعية
0
لا يمكن الوثوق بنتائج أية دراسة إلا بالعودة إلى الإشكالية التي يطرحها الباحث بغرض الإجابة عليها من خلال الفرضيات التي يضعها كإجابة مؤقتة لتلك الإشكالية ومنه يمكن القول بأن النتائج تأتي لتؤكد الفرضيات أو تنفيها وتجيب على الأسئلة بلغة الأرقام والتحليل العلمي وربطها بدراسات سابقة وبتعليلها من خلال الحكم عليها بإمكانية تعميمها وإعتمادها في مجالات محددة أم لا ...
بن طاطة عبدالقادر , نوفمبر 03, 2013 | url
الاشكالية والمشكلة
0
الاشكالية اوسع من المشكلة هذا عنذ الفلاسفة اما في البحوث العلمية فالمشكلة هي التي تبقى في دائرة مغلقة ولكن تقريبا كل الباحثين لا يفرقون بينهم ويعتبرن انهما واحد الا علماء المنهجية
Hinad hind , نوفمبر 16, 2013
البحث أو الدراسة العلمية
0
- يجد الكثير من الباحثين خاصة المبتدئين منهم إشكالا في تحديد المصطلحات فالبعض يقول البحث والبعض الأخر يقول الدراسة ، وفي إعتقادي فإن كلا المصطلحين يؤدي نفس المعنى
فالبحث يعني التنقيب و التحري حول أشياء غامضة أو غير واضحة أو غير مفهوة في موضوع ما لكن موجودة في الواقع . وكذلك الدراسة فإنها تتناول جوانب معينة من موضوع ما بغرض التمحيص والتدقيق فيه والتأكد من سلامة هذه الجوانب من الزيف ومدى تطابقها مع هدف هذه الدراسة .
إذ ن : إذا كان للبحث والدراسة نفس الهدف وهو الوقوف على حقائق معينة ، فإنه ليس هناك أي إشكال في إستعمال أي منها .
بن طاطة عبدالقادر , ديسمبر 30, 2013 | url

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية