أهداف البحث العلمي

إرسال إلى صديق طباعة PDF

د. محمد بن موسى باباعمي 
ينبغي أن نشير أولا إلى أنَّ القول بوجود هدف للعلم ليس محلَّ اتفاق بين الفلاسفة، فالمدرسة الوضعية ترى في العلم هدفا بحدِّ ذاته؛ ولهؤلاء شك وارتياب في قيمة العلم... فقالوا: «لا يستطيع العلم أن يمدنا بأية معرفة عن الحقيقة» (بوانكاري، نقلا عن لروا).

ومن أبرز مبادئ الاتجاه الوضعي في البحث العلمي «النزعة الظاهراتية المتطرفة، التي تذهب إلى أنَّ مهمَّة العلم هي الوصف الخالص للوقائع وليس تفسيرها» (بوتومور). ولذلك يرى هؤلاء -ومن بينهم دوركايم وفيبر–أنَّ البشر «كائنات لا قوَّة لها في مواجهة المجتمع» إذن فليس للعلم هدف معلن، إلاَّ العلم نفسه.

لكن، ينبغي أن نتجاوز هذا الجدل؛ لأنه ليس هو الأساس في بحثنا هذا (وانظرـ الصدر)، ونقول: إنَّ المنهج باعتبار القيمة الوظيفية هو: «تنظيم للتقنيات والوسائل المتاحة، لبلوغ هدف محدَّد» (Raynal, Rieunier)، وقد يبدو لأول وهلة أنَّ أهداف البحث العلمي تتعدَّد وتختلف، حسب المدارس، والمذاهب، والرؤى، والمحيط، والدوافع، والمعتقدات...؛ غير أنَّها بعد التمحيص تبدو وكأنها تتكامل، وإنما الاختلاف في مجال البحث الذي تمارس فيه هذه المناهج، ذلك أنَّ لكل مجال مناهجه الخاصة به، ولعلَّ أبرز هذه الأهداف تتلخص في:

أولا- تحصيل المعلومات:  أو الفهم ، يقول رجب «إنَّ جيوش العلماء دائبون على العمل وإجراء البحوث في محاولات مستمرَّة لفهم الظواهر موضوع دراستهم» (رجب)؛ أما التكنولوجيا فالهدف منها هو "التحكم".
ولتحقيق الفهم، يسعى العلماء إلى خدمة ثلاثة أغراض، هي:
- الوصف (Description): ويعرَّف الوصف بأنه "التبويب والتصنيف"، وهي أولى مراحل البحث.
- التفسير (Explanation): وصورته أنه يعمل على إيجاد العلاقات بين الظواهر، ومن أبرز العلاقات وأكثرها ذيوعا ما يعرف بالعلاقة السببية.
- التنبؤ (Prediction): هو توقع حدوث الظاهرة في المستقبل، بناء على معطيات عن سلوكها في الماضي. فمن هنا يلتقي البحث العلمي مع "التخطيط"، و"الاستراتيجية". حتى ليقال إنَّ المنهج «هي استراتيجية جرِّبت وآتت ثمارها، فصارت مرجعا محدَّدا، له دلالة واضحة، يمكن تمثلها» (Raynal Rieunier)
ينبغي أن نفرق بين من يقصر الهدف من العلم في ذات العلم، ومن يعتبر العلم من جملة أهداف البحث العلمي، فالأوائل يدافعون عن كون "البحث لأجل البحث وحده» (فرح). والآخرون يرون أهدافا أخرى قيمية اعتبارية.

ثانيا - تكوين المعرفة: يتجاوز المنافحون عن هذا الهدف كون العلم يوفِّر المعلومات، إلى اعتبار العلم وسيلة لتكوين المعرفة، والمعرفة – كما أشرنا من قبل – هي معلومات أضيف إليها القدرة على استخدام تلك المعلومات (دفيلين).
لكن، هل من السهل تحقيق هذا الهدف؟
يقرِّر دفيلين أنَّ المعرفة «توجِد في الناس جزءا لا يتجزَّأ من تعقيدهم، وغرابة أطوارهم، وعدم توقُّع ردود أفعالهم» (دفيلين)؛ ومن ثمَّ كان الحصول على المعرفة صعباً، ويحتاج إلى وسائل وآليات وتقنيات ومناهج جديدة، لم يبلغ الفكر البشري بعد مستوى يمكِّمنه من صياغتها صياغة دقيقة؛ وليست حاجتنا فقط «إلى طرق علمية جديدة تعتمد أفكارا رياضية جديدة» (دفيلين)، بل إنَّ المسألة تتجاوز الكمَّ إلى الكيف، تتجاوز القياس إلى الفهم، تتجاوز الشكل إلى الباطن... ولعلَّ الاستعانة بالأخلاق، والقيم، والدين، بات ضروريا لحلَّ هذا اللغز.
ولقد عانينا – في مكتب الدراسات العلمية – في الحصول على مناهج لتقييم المعرفة وتقييسها، رغم ما كتب وأنجز إلى حدِّ الآن في علم التربية والتعليم، وعلم النفس، من تقدم في قياس وتقييم المعلومات.
ولعلَّ صعوبة القياس والتقييم هذه – وهما من أبرز خصائص الهدف – هي التي عقَّدت مسار الانتقال من عالم تحكمه المعلومات – والذي هو عالمنا اليوم – إلى عالم يتحكم في المعرفة، وهو ما نصبو إليه، ولمَّا نتمكَّن من ولوج مغاوره.

ثالثا - إحداث التغيير: يعبِّر صاحب كتاب "قيمة العلم"، عن هذا المعنى بقوله: «يجب أن يكون البحث عن الحقيقة هدف نشاطنا، فهذه هي الغاية الوحيدة الجديرة به» (بوانكاري). لكنه لم يكن يقصد الحقيقة العلمية، بل «الحقيقة العملية، يقول: «عندما أتحدث عن الحقيقة هنا فإنني، بلا شكٍّ، أريد أن أتحدث عن الحقيقة العلمية، لكنني أريد كذلك أن أتحدث عن الحقيقة الأخلاقية... وقبل كلِّ شيء إن الحقيقة العلمية ليست مناقضة للحقيقة الأخلاقية، فلكلٍّ من العلم والأخلاق ميدانه الخاص، وهذان ميدانان يتلامسان، ولكنهما لا يتداخلان. إحدى هاتين الحقيقتين تدلنا على الهدف الذي يجب أن نسعى إليه، والأخرى، بعد تحديد الهدف، تعرِّفنا بالوسائل الموصلة إليه... فلا يمكن أن يوجد علم لا أخلاقي، مثلما لا يمكن أن توجد أخلاق علمية» (بوانكاري)؛ لكن العلم لوحده لا يمنحنا السعادة، ولذلك نخشاه، ونضطر شئنا أم أبينا أن نستغيث بالأخلاق، وبالقيم، وبالدين، لنحدث التوازن في حياتنا، وحياة البشرية، ولعل هذا من معاني قوله تعالى: «وما اختلف الذي أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم». أي أنَّ هذا العلم كان بغيا، ولم يكن مسندا بالإيمان، فهم قد "عرفوا الصحيح من السقيم، والحقَّ من الباطل، وإنما اختلفوا "بَغْيًا"، أي حسداً" (الشيرازي) فلم ينف تعالى عنهم العلم، بل نفى عنهم الأخلاق والإيمان.

  ولا يمكن كذلك أنَّ نعتبر العمل هو الهدف الوحيد للعلم، وإلاَّ هل نرفض البحوث الرياضية أو الفلكية التي قد لا تفيدنا يوما ما في العمل؟
بل، إننا نعتبر أنَّ العلم نفسه، وفي مظاهره المختلفة، هو نوع من العمل.

ومن مدخل علم الاجتماع، يرى فرح «أنَّ الهدف من البحث تطويع العلم لخدمة المجتمع ورفاهيته، عن طريق الوصول إلى حلول للمشكلات التي تواجه الأفراد والجماعات» (فرح).
أمَّا من مدخل "بحوث الفعل"، فإنَّ الهدف التغييري معلن بصراحة ووضوح في جميع الوثائق التي التأسيسية التي طالعتها، يقول باتريك روبو: «إنَّ هدف بحوث الفعل هو: حلُّ المشاكل الواقعية، وبخاصة في المحيط المدرسي» (Robot)..

رابعا - كسب الشهادة والوظيف المحترم: ينزع بعض الكتَّاب نزعة مثالية مفرطة، فينكر كلَّ إمكانية لأن يكون من بين أهداف العلم كسبُ الشهادة، والحصول على الوظيف المحترم؛ فهذا كاتب يوصي طلبته في رسالة عنوانه: رسالة لكل جامعي، ومن جملة ما جاء فيها: إننا عانينا من «ضعفِ النيَّة الصالحة في طلب العلم؛ حيث إننا كنا نطلب العلم للشهادة وللوظيفة، فلما أن أردنا ذلك العلم الذي درسناه لم نجد منه إلاَّ القليل والضعيف ... فضاعت أعمارنا في طلبه مرَّة أخرى فأصبحنا نطلب العلم الواحد في العمر مرَّتين» (عزام).
ولا غرو أنَّ هذا صحيح إذا ما كان طلب العلم للشهادة فقط، أو للشهادة أولا؛ وإذا كانت نية الأجر، ونفع الخلق... غائبة؛ ولكن الخطأ يكمن في هذه التعميمية المفرطة.
ذلك أنَّ المثالية والملائكية لا تستقيم، إذا ما قسنا هذين الهدفين - الشهادة والوظيف -في سلم خصائص "الهدفية"، ولا ريب أنَّ «من الحوافز الأكثر مادية (للباحث) الحاجة إلى كسب العيش، والطموح إلى النجاح في الحياة» (بقردج). بل إنَّ ألبرت إنشتين ميز بين ثلاثة أنواع من العلماء، من بينهم «علماء يعدون العلم وسيلة للمعيشة، والذين لولا الظروف لكان من الممكن إن يصبحوا رجال أعمال ناجحين» (بقردج).

لكن، لو ألغينا تماما هذا الهدف، لما كان معنى للشهادة، ولا للجامعة، ولا للجوائز والمحفِّزات المادية؛ وهذا لا يتناسب وميول الإنسان؛ ولنا في القرآن الكريم أنموذج، يتمثل في تحفيز المؤمنين بأمور مادية محضة: مثل الجنة وما فيها. بل إنه ليفصِّل أحيانا تفصيلا مشوقا، ويقول: «على سرر موضونة، متكئين عليها متقابلين...وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، وحور عين كامثال اللؤلؤ المكنون، جزاء بما كانوا يعملون».
ولو شاء الله تعالى لاقتصر على وصف الجزاء الروحي والمعنوي، لكن سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم طبيعة الإنسان وسريرته.

من هنا، وجب أن نقول: إنَّ المنهي عنه هو أن يكون "المعاش، و"الشهادة" رسالة أو غاية من ممارسة البحث العلمي، أو أن يكونا في أولوية عالية ضمن سلَّم الأهداف، على حساب أهداف أسمى وأعظم.
وإنَّ عالما مثل فتح الله كولن، ليذكر ضمن أهداف العلم المنصب والمكانة، ولكنه ينزلها منازلها، ولا يلغي ما هو أعظم منها، فيقول: «إن المنصب والمقام الذي يُستحصل بالعلم والمعرفة أسمى وأدوم من المناصب والمقامات المستحصلة بالطرق الأخرى. ذلك لأنَّ ‏العلم يُبعد صاحبه في الدنيا عن السوء ويجعله من أرباب الفضائل» ولا يتوقف في هذا، ويضيف: «كما يجعله من أصحاب السعادة في الدار الآخرة، بما يحصل عليه ‏من منصب ومرتبة لم يكن يتخيلهما» (كولن).

وهذا بالطبع لا يلغي طلب رضا الله تعالى، الذي هو الغاية الكبرى للمؤمن في الدنيا والآخرة، ومناط ذلك كلِّه: النية الصادقة، والإخلاص لله تعالى، وعدم إشراك غيره في أيِّ عمل يأتيه الإنسان، مهما بدا صغيرا أو كبيرا.
وترتيب أهداف البحث العلمي يمكن ضبطه بمصفوفة الأهداف، حسب علم مقاصد الشريعة:

في الدرجة الأولى" أهداف متعلقة بحفظ ........الدين
الثانية: ..................................... النفس
الثالثة: ...................................... العقل
الرابعة: ..................................... النسل
الخامسة: .................................... المال

وهي بهذا الترتيب تعالج الكثير من الانحرافات في ممارسة البحث العلمي، وتعيد الأمور إلى نصابها بلا إفراط ولا تفريط، فلا تلغي أهدافا تتعلق بالنسل مثلا، بل تضعفها في مرتبة أدنى من أهداف تتعلق بالدين وبالنفس وبالعقل.. وهكذا.


المشاهدات: 20169

التعليقات (2)

RSS خاصية التعليقات
بين العلم والرتبة
0
اقتباس :
من هنا، وجب أن نقول: إنَّ المنهي عنه هو أن يكون "المعاش، و"الشهادة" رسالة أو غاية من ممارسة البحث العلمي، أو أن يكونا في أولوية عالية ضمن سلَّم الأهداف، على حساب أهداف أسمى وأعظم.
وإنَّ عالما مثل فتح الله كولن، ليذكر ضمن أهداف العلم المنصب والمكانة، ولكنه ينزلها منازلها، ولا يلغي ما هو أعظم منها، فيقول: «إن المنصب والمقام الذي يُستحصل بالعلم والمعرفة أسمى وأدوم من المناصب والمقامات المستحصلة بالطرق الأخرى. ذلك لأنَّ ‏العلم يُبعد صاحبه في الدنيا عن السوء ويجعله من أرباب الفضائل» ولا يتوقف في هذا، ويضيف: «كما يجعله من أصحاب السعادة في الدار الآخرة، بما يحصل عليه ‏من منصب ومرتبة لم يكن يتخيلهما» (كولن).

وذلك عهدنا بعلماءنا في وقت من الأوقات قبل أن يفتتن البعض بالمادة , وبعض الخلل في سلم القيم , مع بعض الخلل في أولويات الأمة
حفظكم الله من كل سوء
حاج أمحمد , يناير 25, 2010
مناهج علم النفس الاجتماعي
0
الرجاء اضافة بيانات عن علم النفس الاجتماعي
maher ayasrah , نوفمبر 03, 2011

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية