veecos.net

التقرير العلمي لفعاليات اليومين الدراسيين حول الاقتصاد الإسلامي

إرسال إلى صديق طباعة PDF

شهد معهد المناهج يومي 29 و30 صفر 1431 الموافق لـ13 و14 فيفري2010 تنظيم يومين دراسيين في الاقتصاد الإسلامي مع الخبير الدولي الدكتور سامر مظهر قنطقجي، وقد تميز الحضور بالتنوع والاختلاف بين دكاترة في العلوم الاقتصادية والاجتماعية إلى ممثلين عن المؤسسات المالية الإسلامية في الجزائر على غرار مصرف السلام، بنك البركة، سلامة للتأمينات، إلى جانب متعاملين اقتصاديين وأرباب مؤسسات وكذلك الطلاب والباحثين المسجلين في الجامعات الدولية التي يمثلها معهد المناهج.

افتتحت هذه الدورة التدريبية المكثفة على بركة الله بداية من الساعة 08:39 بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، تلتها كلمة ترحيبية باسم إدارة المعهد للدكتور سامر مظهر قنطقجي في رحلته العلمية الثالثة التي تقوده إلى الجزائر وللمشاركين في هذه الدورة قدمها طه كوزي مسؤول في قسم التكوين والبحث العلمي لمعهد المناهج، الذي أعطى إشارة بداية هذه الدورة التي تهدف بالتحديد إلى التعلم والاغتراف من علم الدكتور سامر مظهر قنطقجي والاستفادة من التجارب المالية الإسلامية التي منها ماهو تحليلي نظري ومنها ماهو تطبيقي من خلال بعض التجارب المتناثرة في أنحاء المعمورة هنا وهناك، ثم بعدها قام  بإعطاء نبذة تعريفية  مختصرة ومقتضبة عن الدكتور سامر مظهر قنطقجي وأهم إنجازاته العلمية والعملية، ثم عرض المحاورالأساسية لهذه الدورة التي تم تقسيمها إلى خمس جلسات علمية وهي:
1-    الجلسة العلمية الأولى: نموذج الأزمة المالية العالمية وحلول الاقتصاد الإسلامي ( 08:45 - 11:00 )
2-    الجلسة العلمية الثانية: النموذج الرياضي للاقتصاد الإسلامي ( 11:25 – 14:00 )
3-    الجلسة العلمية الثالثة: النموذج الحياتي ومستقبل الإنسان ( 08:45 – 09:15 )
4-    الجلسة العلمية الرابعة: أسواق المال الإسلامية ( 09:30 – 11:00 )
5-    الجلسة العلمية الخامسة: الهندسة المالية الإسلامية ونموذجا الربا والبيوع الرياضيين ( 11:30 – 14:00 )

الجلسة العلمية الأولى: نموذج الأزمة المالية العالمية وحلول الاقتصاد الإسلامي ( 08:45 - 11:00 )

استهل الدكتور سامر مظهر قنطقجي هذه الجلسة بإعطاء بسطة تعريفية للمشاركين عن الموقع الإلكتروني الذي يديره www.kantakji.com، ويتألف هذا الأخير من قسمين هما: مركز تطوير الأعمال ومركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية الذي انطلق سنة 2003 ويهدف إلى إظهار إسهامات الشرع الإسلامي وفضله في الحياة الاقتصادية وذلك بغية إعادة تقديم فقه المعاملات بثوبه المتجدد لأنه صالح لكل زمان ومكان، وشريعة الله حاكمة على الأزمان لا محكومة بها، ويتألف الموقع من أبواب تصنيفية تتضمن الاقتصاد والأسواق المالية والمحاسبة والتأمين والتشريع المالي والمصارف وأدوات التمويل والصيانة والشركات والزكاة والمواريث والبيوع إضافة إلى أبحاث متنوعة أخرى.

مهَد الدكتور قبل الولوج في تحليل الأزمة المالية العالمية الحالية بالحديث عن الأزمات بصفة عامة وعلاقتها بالإدارة الإستراتيجية، هذه الأخيرة قال بأنها تخضع لنفس وظائف الإدارة العادية من تخطيط وتنظيم ورقابة وتوجيه وما إلى ذلك ولكن من خلال أخذ البعد الطويل المدى، وأشار إلى أن المحاسب ينظر في عمله بمقدار السنة، أما رجل الإدارة فينظر إلى خمس سنوات، أما رجل الاقتصاد فينظر إلى عشرين سنة فأكثر، فلذلك نقول بأنه يضع خططا إستراتيجية لأنه يفكر من عشرين إلى خمسين سنة، وبالتالي فالأصل في إدارة المخاطر أنها من الإدارة الإستراتيجية وتتعلق بالمستقبل وتعتمد تقنية "قبل أن يقع الفأس بالرأس" كما سمَاها، والإدارة الإستراتيجية تشمل الإجابة على ثلاثة أسئلة:
- ماذا حصل؟: بمعنى يجب علينا قراءة الماضي الذي قد لا يكرر نفسه ولكن فيه استخلاص للعبر.  
- ماذا يحصل؟: يعني أن نعرف موقعنا من الأمور والأحداث التي تجري حولنا.
- ماذا سيحصل؟: وهو التوقع لما سيحصل في المستقبل.

إذا فكرنا بهذه الطريقة فنحن نعمل بطريقة إستراتيجية، والتخطيط الإستراتيجي ليس حكرا على هذه المرحلة من التاريخ المعاصر بل هو موجود منذ عهد النبوة حيث استشهد الدكتور ببعض الشواهد من السيرة النبوية مبينا فيها التفكير والتخطيط الإستراتيجي للرسول صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى أن دراسة كيفية استطاعة الرسول- صلى الله عليه وسلم- إدارة الأزمات التي مرت به، تبين أنَّ نظام إدارة الأزمات، على الجوهر والأساس العلمي في المفاهيم الحديثة، واقعٌ سبق أن عرفته الدولة الإسلامية العظمى، منذ بداية تأسيسها على يد رسولنا- صلى الله عليه وسلم-، وبالبحث العلمي الدقيق في سيرته العطرة، سواءً في حياته الاجتماعية الأولى، أو حياته السياسية والإدارية والحربية، سيجد المرءُ ما لا يُعد ولا يحصى، من أصولٍ منهجية لعلم إدارة الأزمات منها "كتاب الأزمات في حياة الدعاة،" وأيضا سيدنا أبو بكر الصديق الذي أدار أزمة الردة، وسيدنا عمر بن الخطاب الذي أدار أزمة عام الرمادة مثلا، والأمثلة كثيرة في هذا الموضوع، وتوصل الدكتور في الأخير إلى استخلاص مفاده أن الأزمات التي نعيشها في عصرنا الحالي لم تكن حاصلة في السابق حيث اعتبر وقوع هذه الأزمات في النظام الإسلامي استثناءا عابرا وليس هو الأصل كما نلاحظ في النظام الرأسمالي منذ نشأته وتبنيه مافتئ في التخلص من آثار أزمة وقعت هنا أو هناك حتى تعصفه أزمة أخرى وهكذا دواليك .. نظام مبني على الأزمات بمختلف أنواعها المالية والاقتصادية و الاجتماعية... إلخ.

قصة الأزمة المالية العالمية: (ماذا حصل؟)
يبين الشكل الذي أمامكم نموذجا للأزمات المالية العالمية انطلاقا من القواعد التي يعمل بها الاقتصاد، حيث سنحاول توضيحه بشكل من التفصيل في النقاط التالية:
-  زيادة الإنفاق الخاص عامل من عوامل التضخم  في السوق.
-  زيادة الإنفاق الحكومي لتمويل عجز في ميزانية الدولة مؤداه زيادة الضرائب، وبالتالي كلما زاد الإنفاق الحكومي زاد فرض الضرائب لتمويل هذا الإنفاق.
- زيادة الإنفاق الحربي مؤداه زيادة الدين ( هنا أشار الدكتور إلى قصة خروج بريطانيا من منطقة الإسترليني بعد نهاية الحرب العالمية الأولى مباشرة ثم سيطر الدولار الأمريكي وذلك لسبب بسيط هو أن بريطانيا خاضت الحرب داخل أراضيها فخسرت بذلك الكثير من الناحية الاقتصادية مما أدى إلى تراجع عملتها، أما الولايات المتحدة الأمريكية فخاضت الحرب خارج أراضيها فكانت بذلك أمورها أريح من الناحية الاقتصادية ).
- تؤدي الضرائب بنوعيها المباشرة وغير المباشرة من الناحية الاقتصادية إلى زيادة الأسعار، لأنه عادة عبئ الضريبة ينقل إلى المستهلك الأخير خاصة مايعرف بالضريبة على القيمة المضافة  (TVA) وبالتالي نقول أيضا بأن الضرائب مؤداها التضخم.
- تلاحظون في الشكل أن زيادة الإنفاق الحكومي وزيادة الإنفاق الحربي ضمن مستطيل واحد وهذا لأنهما من مهام الحكومات وليس من مهام القطاع الخاص.
- زيادة التضخم مؤداه ضعف القوة الشرائية سواء للأفراد أو للمؤسسات لأن النقود لم تعد تمثل نفس السلع والخدمات.
- ضعف القيمة الشرائية مؤداه ضعف المبيعات، هذا يعني أنه لم يبق مع الناس ماتشتري به وبالتالي تضطر لخفض كمية مشترياتها.
- ضعف المبيعات بالنسبة للمنتج أو البائع معناه انخفاض الأسعار لأنه بحاجة إلى ترويج مالديه في المخازن.
- انخفاض الأسعار مؤداه تباطؤ الإنتاج لأن المخازن ملئ والناس لا تشتري مما يؤدي بالمنتجين إلى تخفيض حجم الإنتاج إلى مستويات دنيا.
- بعد هذه المرحلة من تباطؤ حجم الإنتاج ندخل في حالة مايسمى بالحلقة المفرغة وهكذا ندور في هذه الدورة حيث تضعف القوة الشرائية أكثر فأكثر.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: متى نخرج من هذه الحلقة؟
حاول الدكتور أن يربط بين الحروب التي تحتاج إلى تمويل شديد جدا، وبالتالي تستنزف كل الأموال الموجودة لدى تلك الدولة، حتى تلجأ إلى زيادة الديون التي مؤداها في الأخير نقص السيولة هذا من جهة، ومن جهة أخرى ضعف القدرة الشرائية بالحلقة المفرغة التي توصلنا إليها سابقا مؤداه أيضا نقص في السيولة.
نقص السيولة يحتاج إلى تمويل، حيث إن التمويل الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية كان على كالتالي:
- معلوم أن الاقتصاد الأمريكي يمثل ربع الاقتصاد العالمي وبالتالي فهو اقتصاد قوي وموثوق به عالميا مما جعل من الولايات المتحدة الأمريكية تستغل هذه الثقة من جهة ومن جهة أخرى كانت لدينا ثلاثة طفرات مالية في الأسواق العالمية طفرة في الصين واليابان وأخرى في أوروبا وثالثة في الخليج وجاءت هذه الطفرات أساسا بسبب ارتفاع سعر النفط من جراء الحروب الأخيرة من 40 و 50 دولار إلى 140 دولار للبرميل كرقم قياسي، وبما أن الناس يجب عليها أن تستثمر أموالها في الأماكن الآمنة، نجد أن السوق الأمريكية وقتها أكثرا أمنا من الأسواق العالمية الأخرى، وفي ظل هذه الظروف قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالتوجه إلى الاستدانة من السوق الخارجية وذلك بإصدار سندات خزينة للناس وبالتالي بدأت الأسواق الثلاثة التي ذكرناها بشراء هذه السندات وما حصل أن أمريكا استدانت من السوق العالمية كميات هائلة جدا من الأموال لتغطية نقص السيولة من أجل تغطية ماسبق بيانه ( الحروب )، ولم تكتفي أمريكا بذلك فراحت تستدين من السوق الداخلي أيضا وذلك بزيادة سعر الفائدة  مرات عديدة جدا ونخص بالذكر مرحلة إدارة بوش التي دامت ثمانية سنوات، وهو الذي قام بأغلب الحروب في فترة حكمه، وبالتالي نستنتج أن أمريكا قامت بامتصاص السيولة النقدية من الداخل والخارج لتمويل ماهي فيه من حروب وماهي فيه من ضعف في القوة الشرائية، ومن هنا نكون قد دخلنا مرحلة أخرى من مراحل الأزمة المالية وهي كثرة الاستدانة إلى أن أصبح فيه نقص شديد في الأموال.
- دخول الأزمة المالية يؤدي بنا إلى التساؤل التالي: هل أصبحت الشركات والحكومات قادرة على الوفاء بالتزاماتها؟. هل تستطيع الشركات والحكومات المثابرة على التمويل في هذه الحلقة الصعبة؟.
- إذا كان الجواب بـ " نعم ": فإن هذه الشركات ستبقى مسيطرة وضمن الحلقة المفرغة التي تم شرحها سابقا والتي يصعب الخروج منها عادة لأنه أصلا لايوجد أحد يمول هذه الشركات الغارقة في الديون وهنا نستحضر قول الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال " إذا غرم الرجل فحدث فكذب، ووعد فأخلف "، وبالتالي فإن الخروج من مأزق الدَين الشديد حالة معقدة جدا، لذلك بقيت هذه الشركات تدور في تلك الحلقة حتى يتحول الجواب على السؤال السابق إلى " لا "، ونشير هنا إلى أن هذه الأزمة ليست أزمة ائتمان عقاري كما يزعمون ولكن يعتبر مظهر من مظاهرها فقط.
- إذا كان الجواب بـ " لا ": هنا ندخل في المرحلة الأخيرة لهذه الأزمة وتأتي عناصر هذه المرحلة مرتبة كما يوضحها الشكل:
1- الدخول في حالة ركود: حيث تتسم هذه المرحلة بإنخفاص المبيعات ويهدأ الإنتاج، وهنا تعمل الحكومات على الإنعاش وإيجاد الحلول المناسبة وإذا لم توفق ندخل في الحالة التالية.
2- حالة الكساد أو الانكماش
3- حالة الإفلاس: وذلك من خلال خروج المصانع والشركات من الحياة الإنتاجية.
4- حالة البطالة: عدم تشغيل العمال وتسريحهم من مناصب عملهم.
5- حالة الفقر والفقر الشديد: مثل هذه الحالة تنبأ لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذو الفكر الاقتصادي العجيب عندما دخل عام الرمادة حيث كان الفقر شديدا مما أدى إلى وجود مجاعة في البلد.
6- حالة انهيار المجتمع: حيث تحصل فيها كل الآفات الاجتماعية من سرقات وقتل وانتحار وما إلى ذلك وقد سمعنا بهذه الأشياء خلال هذه الأزمة وما خفي كان أعظم.
نلاحظ من خلال كل ماسبق أن الأزمة المالية تبدأ بسياسات خاطئة جدا، من خلال فلسفة الإنفاق والمزيد من الإنفاق أو تحويل التسوق إلى متعة، ثم تمرد الحكومات في إنفاق شديد جدا، ثم التمادي في الحروب، وكل هذا أدى إلى التضخم والذي بدوره أدى إلى تدهور القيمة الشرائية من جهة، وأدى إلى نقص السيولة من خلال الاستدانة من جهة أخرى.
في نهاية شرح الشكل السابق أثار الدكتور الانتباه إلى نقطة مهمة جدا وهي سلاح المقاطعة الاقتصادية رغم انتقاد الكثيرين لهذا السلاح لأنه برأيه لم يتم استعماله في المكان والزمان المناسبين لاستخدام أي سلاح، فمثلا لو تم استخدامه بنجاعة في هذه الأزمة المالية سوف يتم إنهاك الشركات أكثر فأكثر وذلك بالإحجام عن الشراء من هذه الشركات التي تدعم العدو الصهيوني، وبالتالي نكون قد ساهمنا في الزيادة من إضعاف قوتها الشرائية أكثر فأكثر.

إذن هذا الذي حصل في أمريكا، ومما زاد من حدة الأزمة وانتشارها حتى أصبحت عالمية هي الأسواق التي صارت مفتوحة لبعضها البعض من خلال عملية التأثير والتأثر مما جعل من الأزمة تتدحرج ككرة الثلج بسرعة كبيرة جدا لتشمل كل اقتصاديات العالم بنسب متفاوتة حسب درجة عولمتها وانفتاحها إلى الخارج، لكن الفارق الأساسي بين أزمتي 1929 و 2008 هو توافر أدوات اتصال واسعة الإمكانيات ونظم معلومات عالية السرعة والقادرة على الاسترجاع والتحليل والمساعدة في اتخاذ القرار المناسب بما يساعد في وضع احتمالات وسيناريوهات متعددة قابلة للفهم والمناقشة.

ويمكن تقسيم مراحل الأزمة إلى:
1-    مرحلة تأسيس الأزمة: وهو عبارة عن سلوك المستهلكين وسلوك الحكومات من خلال الإنفاق الشديد على الحروب.
2-    مرحلة التزايد: كانت بسبب التضخم الذي أدى بالنقود إلى فقد قيمتها الحقيقية مما أدى إلى تدهور القوة الشرائية، وكانت خلاصة هذه المرحلة نقص شديد في السيولة وذلك بزيادة الديون وتراجع المبيعات اللذان يؤثران على التدفق النقدي الداخل.
3-    مرحلة الذروة: جاءت هذه المرحلة من خلال تصرف أمريكا وذلك بالاستدانة من السوق الداخلي والخارجي ووقعنا أمام مايسمى باقتصاد الفقاعة تماما مثل فقاعة الصابون لما ينفخها الأطفال تبدوا كبيرة وجميلة وملونة لكنها لا تتحمل أية صدمات وبمجرد ثقبها تصير كأن شيئا لم يكن.

تحليل أسباب الأزمة المالية العالمية:
إن أسس الهندسة المالية التقليدية المنبثقة من فلسفة المذهب الاقتصادي الرأسمالي الحر لها الأثر الأكبر فيما حصل، وقد لا يبدو أثر تطبيقات هذه الهندسة المالية التقليدية إلا كفقاعة تظهر هنا وأخرى تظهر هناك، لكن تدحرج كرة الثلج يزيد من حجمها ويصبح أثرها واضحا، وقد يذهب هذا الأثر بالأساس الفكري للمذهب الاقتصادي. فماهي هذه الأسس الهدامة والمدمرة؟
أولا: الربا
يعتبر الربا بكل أنواعه وأشكاله وصوره المقود الأساسي والعنصر الأخطر لهذه الأزمة، كما يعتبر أيضا سلطان القوي على الضعيف، مخرب للاقتصاد ومضخم له تضخما مستمرا ومتصاعد، حيث ارتبطت بوادر هذه الأزمة بصورة أساسية بالارتفاع المتوالي لسعر الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي منذ عام 2004، وهو ماشكَل زيادة في أعباء القروض العقارية من حيث خدمتها وسداد أقساطها. وتفاقمت الأزمة بحلول النصف الثاني من عام 2007 حيث توقف عدد كبير من المقرضين عن سداد الأقساط المالية المستحقة عليهم... إلخ.
في هذه النقطة الدكتور مطولا في استعراض سلبيات نظام الفائدة الربوية كما تعرض لها كبار الاقتصاديين الغربيين الذين اعتبروا الربا عنصر خفي محفز على التضخم، وقد تساءل العملاق الاقتصادي الأمريكي friedman في بداية الثمانينات عن أسباب السلوك الطائش الذي لم يسبق له مثيل للاقتصاد الأمريكي، فتوصل إلى أن هذا السلوك الطائش يقابله تذبذب أسعار الفائدة مما يصعب من اتخاذ القرارات الاستثمارية الطويلة الأجل، أو التخطيط الجيد للأعمال.

يكمن الحل في الاقتصاد الإسلامي لقضية الربا المتراكم بين لأفراد والمؤسسات والدول في قوله تعالى: " فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون "، لذلك يجب إلغاء الربا والاكتفاء برأس المال، لا أن تخفض نسبه كما تفعل بعض المؤسسات المالية حاليا.

ثانيا: فلسفة التوسع بالدَين
يتم فيها توريق الديون وتسييلها بالبيع، حيث يهدف التوريق إلى تحويل قروض الدول والمشروعات إلى أوراق مالية قابلة للتداول في البورصات العالمية كأداة مصرفية تؤمن السيولة وتوسع الائتمان، حيث قدر بيع الدَين في أمريكا بثلاثين مرة، وظهر مايسمى بالمشتقات المالية، أما الاقتصاد الإسلامي  فيسعى إلى الحد من الدَين وضبطه في حدوده الدنيا، وقد تناولت أطول آية في القرآن الكريم ( سورة البقرة الآية 282 ) آلية التسجيل وكتابة الديون فسميت آية المداينة أو المكاتبة، وقد استرسل المحاضر في عرض فقه المداينات مستشهدا بأدلة من الكتاب والسنة، كما تحدث عن الآثار والنتائج الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الإغراق في الديون.
ثالثا: تداول الرهن
تم التطرق إليه مبينا الضوابط الإسلامية للرهن.
رابعا: إشهار الإفلاس
تم التطرق إليه من خلال تبيان من هو المفلس في الاقتصاد الوضعي والإسلامي.
خامسا: الإفساد
يكمن مفتاح الشر في الطمع والحقد والحسد، فالطامع في مال أو جاه أو منصب لا يستحقه يريد الوصول إلى هدفه بأي طريق كان، تطبيقا لقول ميكيافلي " الغاية تبرر الوسيلة "، فالغاية تبقى غاية والوسيلة تبقى وسيلة، ولو كانت دون ضوابط أخلاقية، والطامع قد يكون فردا وقد يكون مجموعة أفراد، وقد قام الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي بإدخال تعديل على مقولة ميكيافلي بقوله " الغاية المشروعة تبرر الوسيلة المشروعة  ". وللفساد ضرر كبير وأثر سيء ونتائج وخيمة سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمعات والأنظمة.
سادسا: التوسع في الإنفاق
تنبني الفلسفة الاقتصادية الرأسمالية على الإنفاق الاستهلاكي من خلال خلق الطلب من خلال جعل (التسوق متعة)، ويقدر خبراء أن ثلثي الاقتصاد الأمريكي مبني على الإنفاق. لذلك يتوجه الاقتصاد التقليدي إلى جانب العرض فيتوسع فيه من خلال توجيه وسائل إعلامه لترويج ثقافة كيف تنفق؟ ولو أدى ذلك إلى توجه المستهلكين نحو الإسراف والتبذير. بينما تنبني فلسفة الاقتصاد الإسلامي على الضغط على الطلب بترشيد الاستهلاك، لذلك فهو يمنع الإسراف والتبذير لدورهما في توليد التضخم كما يمنع التقتير لدوره المسيء في انكماش الطلب الكلي.
فمثلا الولايات المتحدة تنفق كل ثلاثة دقائق مليون دولار لحربها على العراق. مما يعني نزيف للسيولة العالمية، وتمويله يكون باقتراض الحكومة الأمريكية من دول العالم ومن سوقها الداخلي. وذلك بإصدارها سندات خزينة (اقتراض ربوي)، ولهذه السندات سمعة عالمية كبيرة مصدرها اسم الولايات المتحدة الأمريكية واقتصادها القوي وهو اقتصاد يعتمد على الإنتاج والعلم واستخدام التكنولوجيا.
لذلك يستثمر بها معظم بلاد العالم بلا استثناء.
لذلك كله تتفاقم المشكلة الاقتصادية في الاقتصاد التقليدي حيث الموارد ( العرض) محدودة والحاجات غير متناهية ( الطلب ) لاتجاه هذا الاقتصاد بفلسفته نحو مزيد من الإنفاق وبالتالي إيجاد مزيد من الموارد ولو اضطر لاستخدام القوة العسكرية، كما يتوجه إلى تحفيز الطلب بشتى الطرق والوسائل، وكل ذلك يشكل مدخلا للأزمات وكأنها حلقة مفرغة.
وبعد نهاية شرح مسببات هذه الأزمة قام الدكتور بعرض بعض الحلول المقترحة التي انتهجتها دول العالم ومنها الدول الصناعية الكبرى المعروفة بـ " G07 "، وتوقف عند خطة الحكومة الأمريكية في محاولة إنقاذ الوضع بضخ 700 مليار دولار من أمول دافعي الضرائب في البنوك.

إستراتيجية الحل الإسلامي للأزمات المالية العالمية:
الدولة هي راعية شأنها شأن كل مستوى إداري فيها من أفراد ومؤسسات والمسؤولية مشتركة بين الجميع، لقوله صلى لله عليه وسلم :" كلكم راع ومسؤول عن رعيته: الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته " قال: سمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم وأحسب أنه قال: " والرجل في مال أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". رواه أحمد
ومن ذلك:
- يجب على الجهات الإشرافية من وزارات أو مصرف مركزي أو بورصة أو لجان محاسبية وغيرها أن تسعى إلى تطبيق الأحكام الإسلامية لأنها عقيدة أغلبية الناس فمن الواجب العمل بمقتضاها. كمراقبة موازين ومكاييل الأسواق ومحاربة الغش والتدليس والفساد، وعدم التدخل بالتسعير إلا لضرورة.
- تنظيم معايير مهنة الوساطة والسمسرة ومنع التكتلات المؤدية إلى إلحاق الضرر والظلم بالناس وتأمين الحرية والإفصاح اللازمين لرواد السوق من بائعين ومشترين ومنع غبن المسترسل وعدم تلقي السلع والقادمين من خارج البلد قبل أن يعلموا حقيقة الأسعار.
- مراقبة ومحاسبة الإدارات المشرفة على الأسواق والتي حلت محل المحتسب. لأن رسول الله صلى لله عليه وسلم كان يستوفي الحساب على العمال ويدقق عليهم.

الضوابط:
تتميز شريعة الإسلام بضوابطها التي تسري على الجميع دون استثناء حكامًا ومحكومين أفرادًا وجماعات. فيها الثابت وفيها المتغير، فالثابت هو منطقة محددة لا مجال فيها للاجتهاد، فيها النصوص محكمة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة ولا مجال للاجتهاد وهي منطقة صغيرة لكنها مهمة جدا تمثل الثوابت الفكرية والشعورية والعملية للأمة وتجعل منها أمة واحدة في الاتجاه والغاية والفكرة.
وكمثال عن الثوابت، فإن الاحتكار أمر مباح في الاقتصاد الرأسمالي، لكننا لازلنا نذكر دعوى الحكومة الأمريكية ضد شركة مايكروسوفت لتقسيمها بحجة قانون الاحتكار، فلولا أن الأمر قد طال رقبتها لما شهرت هذا القانون، وهذا سببه البرغماتية (أي المصالح) التي يعيشون بها. أما في الاقتصاد الإسلامي فالاحتكار محرم لأنه من الثوابت التي تسري على الجميع.
أما المتغيرات فغير محدودة إنما تضبطها الثوابت العامة. ومنطقة المتغيرات تعطي سعة ومرونة للشريعة الإسلامية للتكيف مع الوقائع والعصور والبيئات المختلفة، فهي "لم تحجر دائرة الابتكار، وإنما على العكس حجرت دائرة الممنوع وأبقت دائرة المشروع متاحة للجهد البشري في الابتكار والتجديد.
محاربة الاكتناز:
حارب الإسلام الاكتناز لأنه بمثابة تفضيل للسيولة وحرمان الدورة الاقتصادية من المال الذي هو أساسها، لذلك أوجب على المال زكاة سنوية مقدارها 2.5%  تدفع من ملاكه صغارًا كانوا أم كبارًا عاقلين أو غير عاقلين. يقول صلى لله عليه وسلم " ألا من ولي يتيما له مال فليتَجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة ".

سهم الغارمين:
أوجب الإسلام على المال زكاة سنوية مقدارها ٢,٥ % من المال النامي تدفع من ملاكه إلى الفقراء كمساهمة اجتماعية. فمن أحد مصارف الزكاة الهامة جدًا هي إغناء الفقراء والمساكين خاصة إذا كانوا قادرين على العمل، وفي هذا محاربة للبطالة وتشجيع للاستثمار بل بهذا يدخل مستثمرون جدد إلى السوق مسددون للزكاة ومساهمون في العام التالي في حل مشكلة البطالة. وهذا الاتجاه طبقه عمر رضي الله عنه حيث كان يوجه عماله وولاته قائلا: (إذا أعطيتم فأغنوا)، وكان يوجه عماله الذين يوزعون الصدقات بقوله: (كرروا عليهم الصدقة، وإن راح على أحدهم مئة من الإبل)
ومن مصارفها أيضًا سهم الغارمين أي المدينين، وهم مدينون غرقوا في ديون عجزوا عن سدادها.
وبمقابلة سلوك حل الأزمة المالية العالمية الحالية يمكننا ملاحظة الآتي:
- الاقتصاد الإسلامي حث على تحجيم الدين بين الناس وتوسعته مع المحتاجين بضوابط وكأنه يسعى لضبط السوق مانعًا إياه من الوقوع بمخاطر وأزمات، أما الاقتصاد التقليدي فحث على التوسع بالدين بلا ضوابط بل وبقوى دافعة إليه مهيئًا كل السبل كالبطاقات الائتمانية والتسهيلات الائتمانية والتلاعب بالرهن وبيع الدين وما إلى ذلك من ممارسات ينهى عنها الشرع الإسلامي.
- الاقتصاد الإسلامي أوجد حلاَ مستدامًا لتمويل خطر الائتمان العام فأوجب سهمًا للغارمين منعًا لأي أزمة ائتمانية تؤدي لسقوطه، أما الاقتصاد التقليدي فارتأى الحل كاستثناء عند وقوع الأزمات. لذلك ينتهج الاقتصاد الإسلامي حلولا دائمة طويل الأمد، بينما ينتهج الاقتصاد التقليدي حلولا علاجية استثنائية وكأنه يتعلم بالممارسة.
- الاقتصاد الإسلامي سعى بحّله من الأسفل إلى الأعلى بمساعدة المدين الأصلي مباشرة وهو الطرف الضعيف لسداد دينه تجاه دائنه، أما الاقتصاد التقليدي فقد قدم مساعداته للقوي الذي ارتكب الخطأ أي انتهج حلا يتجه من الأعلى إلى الأسفل، فأفاده مرتين الأولى عندما تركه يعبث إفسادًا بالربا والثانية بضخ الأموال له كي لا يقع مفلسًا، بل وألحقه بقانون خاص للإفلاس لحمايته. والميل للضعيف هي فلسفة يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي في أغلب الحالات. لذلك فإن ضخ الأموال في السوق يجب أن يوجه للمدينين الأخيرين للوفاء بديونهم أسوة بفعل الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز فكان لا يبيع خادم الرجل ولا مسكنه في الدَين، لأن الشرع ضمن لكل فرد حصانة تستر كرامته الإنسانية. وحريَ بالدولة أن تقوم بهذا.  
- إن خفض سعر الفائدة كإجراء لا يكفي، ولابد من إسقاط الربا، والربا هي الزيادة على رأس المال دون مقابل، لقوله تعالى: " وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " البقرة 279، لذلك فإن الربا يجب أن يلغى كليًا، وبهذا تنتعش السوق وتستعيد عافيتها.
- الحد من الحروب وتجارة الأسلحة، حيث تقدر تكلفة حربي العراق وأفغانستان بحوالي 800 مليار دولار، أي بما يتجاوز ما ستضخه الولايات المتحدة الأمريكية لحل الأزمة المالية العالمية. وهذا الإنفاق صيرورته مزيد من التضخم في السوق العالمي.
- عدم إتباع سياسة القطيع في السوق بإتباع سلوك الشركات القائدة. فعن عبد الله بن مسعود، أنه كان يقول: اغدُ عالمًا أو متعلمًا ولا تغدون إمَعة فيما بين ذلك. والإمعة هو الأحمق الذي لا يثبت على رأي. ويعزا جزءٌ كبير من الأزمات المالية إلى تقليد الآخرين عن غير علم ولا هدى. لذلك لابد لكل مستثمر في السوق من تفقه وتعلم أسوة بقول عمر رصي الله عنه " لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى)، ويلاحظ أن الأمر موجَه إلى البائع لأنه أساس السوق فإن انتظم عمله انضبط السوق بمن فيه.
إن عودة فقه المعاملات وهو الجزء التطبيقي للإسلام إلى الحياة من جديد بثوب اسمه الاقتصاد الإسلامي وتقديمه للكثير من الحلول الناجعة لأزمات العالم، إنما هو برهان على أن هذا الدين هو دين حياة يصلح للناس كافة، وهذا ما أنبأ به الله عز وجل (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) سبأ 28، وأخبر به المصطفى المختار قائلا: ( أُعطيت خمسا لم يعطهنَ أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيَُما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل َ. وأحلَت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي، وأُعطيتُ الشفاعة، وكان النبيَُ يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).
وإن بشارات الإعجاز الاقتصادي الإسلامي تتوالى، ولابد أن يراها الجميع خفاقًة، فعندما كان العرب أفصح الناس وأشعرهم أعجزهم كلام الله تعالى، وعندما صار العلم بأدواته واختراعاته نبراسًا مضيئًا تتالت إعجازات القرآن الكريم والسنة الشريفة تترى، ولما صار الاقتصاد في هذه الأيام ذو صولة وجولة فلابد من بروز الإعجاز الاقتصادي لهذا الدين العظيم ومن ظهوره.
فقد تساءل (بوفيس فانسون) رئيس تحرير مجلة (شالونج) في افتتاحيتها مخاطبًا (البابا بنديكيت السادس عشر) قائلا: (أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حلَ بنا ماحلَ من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد النقود).

الجلسة العلمية الثانية: النموذج الرياضي للاقتصاد الإسلامي ( 11:25 – 14:00 )

تحميل المادة العلمية لهذه الجلسة


الجلسة العلمية الثالثة: النموذج الحياتي ومستقبل الإنسان ( 08:45 – 09:15 )

بدأ الدكتور سامر مظهر قنطقجي هذه الجلسة العلمية بمقدمة تمهيدية حول دور المال في حياة الإنسان حيث توصَل إلى مبدأ بأن المال وسيلة وُجدت لخدمة الإنسان وليس العكس، أما غاية الإنسان فتتجلى في عبادة الله وإقامة شرعه بُغية نيل رضوانه سبحانه وتعالى.
كيف تكون حياتك متوازنة من الناحية الاقتصادية؟.
حاول الدكتور أن يجيب على هذه الإشكالية من خلال ما جمعه من كلام الفقهاء عبر العصور حيث قال:
- المشكلة الاقتصادية من وجهة نظر الإنسان تتمثل في طلب وعرض، حيث الطلب يُمثَله حاجات غير متناهية، أما العرض فتمثله موارد محدودة.
- السلوك الاقتصادي التقليدي أو الوضعي يضغط على جانب العرض، وعندما لا تكفيه موارده ينتقل إلى موارد الآخرين من خلال التوسع الاستعماري لزيادة المصادر المتاحة. ومن جهة أخرى يتم تحريض الطلب من خلال فنون التسويق والدعاية والإعلام. وهنا نلاحظ أن كل السياسات في الاقتصاد التقليدي تركز على جانب العرض.
- السلوك الاقتصادي الإسلامي من وجهة نظر الدكتور فإنه يركز على الطلب باعتباره يُمثل حاجات غير متناهية، و هذا الطلب يأتي من الحاجة التي تحركها رغبة داخلية يمكن التحكم فيها من خلال الضوابط الشرعية، لذلك بالإمكان التكيف مع الطلب، وصعوبة التكيف مع العرض. هنا نلاحظ أن صعوبة التكيف مع العرض أدت بالمستعمر إلى التحرك بالجيوش لكسب مصادر أخرى دون تحقيق أي وجه عدل مابين الأطراف، وضرب أمثلة من الواقع ( الحرب على العراق كانت من أجل الاستحواذ على النفط، وغيرها من حروب فرنسا وبريطانيا و ... إلخ على مر العصور ).
- تحدث الدكتور عن أدب الحرب في الإسلام مستحضرا نموذجا رائعا وهو سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عندما كان يعطي توجيهات وتوصيات مهمة لجيش أسامة أثناء استعداده للخروج ( لا تقطعوا شجرة، لا تقتلوا امرأة، لا تقتلوا شيخا، لا تقتلوا صبيا، لا تقتلوا أحدا دخل بيته... ). المقصود من الحرب ليس القتل بقدر ماهو دعوة لدين الله تعالى ونشره على الناس، لذلك كانت جيوش المسلمين فاتحة وإلا كيف وصل الدين إلينا.
- ليس المقصود في الاقتصاد الإسلامي القيام بعملية الضغط على الناس أو إهلاكهم بقدر ماهي ترشيد للاستهلاك والإنفاق، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نصبر ليس فقط بالشعارات ولكن كان عليه السلام لا توقد النار في بيته شهرا كاملا وهو القائل صلى الله عليه وسلم ( اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ).
- يقول الماوردي " لم تجعل الموارد مطلوبة بإلهام بل جُعل العقل هاديا إليها، والدين قاضيا عليها لتتم السعادة وتعم المصلحة "

نموذج التوازن الاقتصادي في الحياة الإسلامية:
1-    صفات المستثمر عند ابن قمامة:
تقوى الله، الدراية، العدل، الفقه
2-     صفات الاستثمار حسب أبو جعفر الدمشقي:
الكسب الحلال، حسن الإدارة، تحقيق الإيراد، ترشيد الإنفاق
من خلال الصفات السالفة الذكر نلاحظ عمق التفكير في هذا المجال مما مكنَهم من التوصل إلى بعد اقتصادي عالي جدا فنجد مثلا الشيخ أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين أفرد بابا كاملا لعلم الكسب وقد أعطانا من خلاله قاعدة ونتيجة.
القاعدة: " إن تحصيل علم الكسب واجب على كل مسلم مكتسب " و لا ننسى هنا قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما كان يتجول في السوق حيث قال " لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى "، نلاحظ هنا أن سيدنا عمر يتكلم مع البائع لأنه إذا التزم يلتزم السوق كله بالتَبع.
النتيجة: " لن ينال رتبة الاقتصاد من لم يزن في طلب المعيشة منهج السَداد " نلاحظ أن الكلام متوازن جدا وأساسه أيضا حديث شريف حيث قال صلى الله عليه وسلم " السَمت الحسن والتؤدة و الاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة ".
وحسب تحليل الدكتور سامر لهذا الحديث الذي اعتبره متوازن جدا توصل في الأخير إلى:
السَمت الحسن: هو التخطيط الإستراتيجي
التؤدة: علم الإدارة
- إذن النموذج المتوازن يتكون من صفات المستثمر وصفات الاستثمار و يجمع بينهما علم الكسب، وبذلك يتحقق ما قصده ابن المقفع في تحقيق التوازن الحياتي الذي يوصل إلى السعادة التي عدَدها في ثلاثة عناصر وهي:  السعادة في المعاش، المنزلة في الدنيا، الزاد في الآخرة
- بيَن الدكتور بأن مفهوم السعادة صعب التفسير، فهل السعادة وجود مال؟ أم وجود عقارات؟ ... إلخ، حيث نجد أن الكثير من الناس معها الملايين والمليارات ولكنها غير سعيدة والعكس صحيح، ولعل ما ترك بوش عندما وصل إلى سدَة الحكم يجن جنونه هو أنه على رأس العالم وكل الأموال تحت يديه وكل الجيوش تحت تصرفه وكل التكنولوجيا تحت سيطرته من جهة، ومن جهة أخرى يرى إلى البقية بأنهم فقراء، يعيشون كما اتفق في أي مكان ونمارس عليهم كل أنواع الضغوط ومع كل ذلك يعيشون سعداء ونحن غير سعداء.   
- يقول الدكتور في الأخير عندما جمعت بين صفات المستثمر وصفات الاستثمار وما قاله الغزالي وابن المقفع إضافة إلى أقوال الفقهاء والعلماء توصلت إلى صياغة هذا النموذج المتوازن لحياة الإنسان في الإقتصاد دون التفريط في الاجتماع. يقول الله تعالى " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن فلنحينه حياة طيبة ولنجزيهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون ".

الجلسة العلمية الرابعة: أسواق المال الإسلامية و صناعة التمويل في المصارف الإسلامية (09:30 – 11:00)

ابتدأ الدكتور هذه الجلسة بعرض أنواع الشركات في الفقه الإسلامي وهي:
1-     شركات محرمة: وهي التي تتعامل بالحرام أو المحرمات مثل شركات التبغ، الخمور...
2-      شركات إسلامية: ينص نظامها الداخلي على اعتماد الأسس الشرعية في عملها وعادة مايكون لها هيئة شرعية ترعى أعمالها.
3-     شركات مختلطة: أي اختلط مالها الحلال ببعض المحرمات كثيرا أو قليلا.
- الشركات المحرمة لا خلاف عليها فهي غير جائزة ، فمثلا لا يمكن أن أتعامل مع شركة تتعامل بالمخدرات فهي غير جائزة، ولذلك قسم الفقهاء المال إلى:
مال متقوم: هو عبارة عن المال الحلال بكل أصنافه.
مال غير متقوم: هو كل مال سحت حرام غير جائز مثلا شخص ما يملك مزرعة خنازير قيمتها مليون دولار، أقول له هذه المزرعة لا قيمة لها أصلا.
السؤال الذي يطرح نفسه هو:
كيف نحكم على شركات نشاطها مباح لكنها تتعامل بأموال محرمة أو مشبوهة؟
يوجد قولان للإجابة على هذا السؤال هما:
القول الأول: اعتبره الدكتور القول الأفضل بلا شك وهو القول الذي ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي ورابطة الفقه الإسلامي " يجب أن تكون المصاريف المحرمة والإيرادات المحرمة في جدول حسابات النتائج TCR للشركة تساوي إلى القيمة صفر، أما في الميزانية فيجب أن تكون الأصول المحرمة والخصوم المحرمة تساوي إلى القيمة صفر أيضا" في هذه الحالة نعتبر هذه الشركة نقية.
القول الثاني: تبنته مجموعة من الفقهاء المنتمين إلى فقه الضرورة خلاصته السماح ببعض الخروقات مع تصحيحها.
- نشير إلى أن التقرير المالي لأي منشأة يحتوي على قائمة الدخل ( جدول حسابات النتائج) وقائمة المركز المالي ( الميزانية ) وهذه القوائم أصلها النظام الأمريكي، وقد أثبت الدكتور في أطروحته للدكتوراه أن هذه القوائم بطلها النويري الذي توفي سنة 1350 م، والذي كان عمله كله بهذه القوائم، وبالتالي هم أخذوا من المسلمين ولم يشيروا إلى ذلك.
- بعد انتشار الربا ابتلي الناس وأصبح من لم تصبه عين الربا أصابه غبار الربا فجاء الفقهاء الجدد ووضعوا مجموعة من المعايير والضوابط للتخلص من الشركات المختلطة ريثما تنتقل إلى الشركات الإسلامية خلاصتها " إذا زادت الإيرادات المحرمة في الشركة عن 5%  نقول عن الشركة بأنها محرمة، أما إذا كانت دون ذلك فنقول بأنها مختلطة وعليها إخراج ذلك الاختلاط في مصالح المسلمين العامة.
- عند أخذنا للبعد الإستراتيجي لهذا الرأي نجد أن الفقهاء لم يقصدوا تحليل المحرم بقدر ماهو تحول تدريجي للشركات المختلطة إلى شركات إسلامية نقية، وأشار الدكتور إلى أن أغلب الشركات بدأت تنشر المختلط من أموالها وأصولها وبدأت تطبيق التحول إلى شركات إسلامية نقية.
- نتعرف على الشركات المختلطة من خلال البورصة   في اعتمادها على التحليل الشرعي للشركات   الذي يبين مدى نسبة الاختلاط فيها، ثم بعدها يتوجب على الشركة إخراج نسبة معينة سميت بزكاة تطهير المال مما اختلط به.
- يعتبر وجود شركات في سوق البورصة ضمن دائرة المختلط فضيحة إذا كان الإنسان يعتز بانتمائه لدينه، لذلك نجد أن المساهمين يضغطون على مجلس إدارة هذه الشركات بتنقية الشركة من الأموال المحرمة أو يبيعون أسهمهم.
- انضباط السوق يجب أن يفرز لنا تحول الشركات المختلطة إلى إسلامية نقية.
بعد هذا تحدث الدكتور عن الأسهم العادية والأسهم الممتازة و السندات، مبينا عدم جواز التعامل بالأسهم الممتازة لأنها تحجب الأرباح عن المساهمين العاديين، إضافة إلى حرمة التعامل بالسندات باعتبارها قروض ذات فوائد ربوية، مبرزا في نفس الوقت أهمية التعامل بالأسهم مشيرا إلى قاعدة ذهبية في الإسلام وهي قاعدة الغنم بالغرم والخراج بالضمان.
أدوات سوق المال الإسلامي    
- السوق عبارة عن مكان يجتمع فيه الطلب مع العرض سواء كان سوقا للسلع والخدمات أو سوقا لتدوال الأوراق المالية، حيث يخضع السوق لآليات وضوابط شرعية تحكمه.
- السوق المالي ينقسم إلى:
1- السوق الأولي: تطرح فيه الشركات الجديدة أسهمها عند الإنشاء ويسمى أيضا سوق الإصدار لمرة واحدة
2- السوق الثانوي: يتبادل فيه الناس تلك الحصص أو الأسهم التي طرحت في السوق الأولي لذلك يسمى بسوق التداول، ونجده أكبر بكثير من سوق الإصدار لأن حجم التداول يكون فيه كبير جدا.
- للسوق المالي الإسلامي أداتين يعمل بهما :
1- الصكوك: تعرف الصكوك بأنها ملكية على الشيوع من أصل معين حيث دخلت كبديل لسندات القرض الربوية ومعناها توريق وتسييل الأصول للحصول على سيولة. الأثر النقدي الذي يترتب عنها هو امتصاص السيولة وهذا يحصل تماما عندما يرفع البنك المركزي من سعر الفائدة، فيتوجه الناس إلى البنوك من أجل إيداع أموالها بُغية الحصول على الفائدة والمنفعة الأكبر وبالتالي يهدف البنك المركزي من خلال هذه العملية إلى امتصاص السيولة من السوق.
- الفرق الجوهري في عملية التصكيك هو وجود السلعة إلى جانب امتصاص السيولة.
- تطرح الصكوك بعدة صيغ منها الإجارة، الإجارة المنتهية بالتمليك، مشاركة... إلخ
2- صناديق الاستثمار: هي الحالة العكسية تماما للصكوك وهي الوعاء لها، وتعتبر جمع مال من عدة أشخاص بغية شراء أصل معين، فنكون أمام ضخ للسيولة، وهذه العملية تقابل خفض سعر الفائدة من طرف البنك المركزي.
بعدها قام الدكتور بعرض إحصائيات عامة عن تداول الصكوك في العالم وكانت الإمارات العربية المتحدة متصدرة لها تليها ماليزيا، السعودية، البحرين، قطر، أندونيسيا، باكستان... إلخ، والغريب أن 80 %  من ملاك الصكوك غير مسلمين. وختم بقوله " إذا  كان المسلمون فتحوا البلاد بحسن أخلاق تجارهم فعليهم أن يعيدوا فتحها الآن بحسن أخلاق مصرفييها ".    

الجلسة العلمية الخامسة: الهندسة المالية الإسلامية ونموذجا الربا والبيوع الرياضيين ( 11:30 – 14:00 )

تحميل النموذج الرياضي للبيوع
تحميل النموذج الرياضي للربا

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية