تفسير القرآن الكريم: ماذا بعد النظرة الكونية؟

إرسال إلى صديق طباعة PDF

حول أنواع التفسير: دأب علماء الدراسات القرآنية على تقسيم تفسير كلام الله العزيز إلى أنواع، باعتبارات متعددة، تخدم التصنيف، وتقرب الصورة، وترسم الحدود.
فالتقسيم الكلاسيكي الأكثر تداولا هو: التفسير بالمأثور (بالرواية)، والتفسير بالرأي (بالدراية).
وثمة تقسيم آخر حسب المنهج: تفسير ترتيبي، وتفسير موضعي، وتفسير موضوعي.

ولقد اجتهد ناصر مكارم الشيرازي، في كتابه "نفحات القرآن" فصاغ تصنيفا يقسم التفسير إلى خمسة أنواع:
1.تفسير مفردات القرآن الكريم
2.التفسير الترتيبي (وهو الغالب)
3.التفسير الموضوعي
4.التفسير الارتباطي
5.التفسير العام، أو النظرة الكونية للقرآن.

وإذا كان النوعان الأول والثاني مما عرف ضرورة، ولا حاجة إلى تعريفهما، فإنَّ التفسير الموضوعي كان محلَّ جدل، وتباينت التوجيهات في تعريفه.
بينما يعرفه البعض أنه: هو ذلك التفسير "الذي يبحث آيات القرآن الكريم، على أساس مختلف المواضيع المتعلقة بأصول الدين، وفروعه، والأمور الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والأخلاقية" أي أنَّ المدخل يكون "بالموضوع" لا "بالآية، والترتيب المصحفي"

وبالتالي فإنَّ النسبة في هذا النوع من التفسير إلى "الموضوع"، ونمثل لذلك بـ: "التفسير الموضوعي للقرآن الكريم" للدكتور محمد السعدي فرهود، وهو يتناول في أجزائه الأربع عشرة مواضيع: التوحيد، والنبوة، والمذهب الاقتصادي... وغيرها.

وكذا كتاب "نفحات القرآن: : أسلوب جديد في التفسير الموضوعي" للشيرازي، الذي صنف وفق مواضيع "العقيدة": العلم والمعرفة، والله تعالى، والنبوات... الخ.
غير أنَّ الشيخ محمد الغزالي في "نحو تفسير موضوعي لسور القرآن" سار على هدي الدكتور عبد الله دراز في "النبأ العظيم"، ولم يعتبر التفسير الموضوعي مغايرا للتفسير الترتيبي، لكنه فرَّق بين مصطلحين هما: التفسير الموضعي، والتفسير الموضوعي، وكلاهما ترتيبي، يتتبع سور القرآن سورة سورة، والفرق الجوهري بينهما، هو: "أنَّ التفسير الموضعي يتناول الآية أو الطائفة من الآيات، فيشرح الألفاظ والتراكيب والأحكام" وهو الغالب في التراث الإسلامي، ولا ينفي أن يكون بالمأثور أو بالرأي، فالأول مثل تفسير الإمام الطبري، والثاني مثل تفسير الإمام الزمخشري.

والتفسير الموضوعي، عند الغزالي ودراز، هو تفسير: "يتناول السورة كلها، ويحاول رسم صورة شمسية لها، تتناول أولها وآخرها، وتتعرف على الروابط الخفية التي تشدُّها كلَّها، وتجعل أولها تمهيدا لآخرها، وآخرها تصديقا لأولها" أي أنَّ التفسير الموضوعي – هنا - يُعنى بـ"وحدة الموضوع".
باختصار يرى الفريق الأول أنَّ التفسير الموضوعي نسبة إلى "الموضوع"، أما الفريق الثاني فينسبه إلى "وحدة الموضوع"؛ إلاَّ أنَّه في الإمكان اعتبار التفسير الموضوعي - بمعناه عند الغزالي - مرادفا للتفسير الارتباطي – كما عرَّفه ناصر الشيرازي أعلاه -.

ماذا بعد التفسير الموضوعي
يعجبني الغزالي في تواضعه، حين يعتبر عمله بداية البدايات، وينسب القصور إلى نفسه، ويدعو إلى مواصلة المشوار في التفسيبر الموضوعي حتى تكتمل معالمه، ويقول أخيرا: "لا ريب أنَّ الدراسات القرآنية تحتاج إلى هذا النسق الآخر (الموضوعي)، بل يرى البعض أنَّ المستقبل لها"أما الشيرازي فيرسم خطَّ السير لعملية التفسير عبر التاريخ، ويرى أنه لا يزال في بداياته، ويقول: "والمشهور والمعروف من بين هذه الأنواع الخمسة هو النوع الأول والثاني (تفسير المفردات، والتفسير الترتيبي)، وإلى حدٍّ ما النوع الثالث (التفسير الموضوعي)؛ أي أنَّ التفسير الموضوعي لا زال يسير في مراحله الأولية، على أمل أن يقطع مراحله التكاملية تدريجيا.... أمَّا النوع الرابع والخامس من تفسير القرآن (الارتباطي، والنظرة الكونية) فلم يحظيا باهتمام المفسرين بعدُ، وهذا العمل يقع على عاتق الجيل الحاضر، وأجيال المستقبل، بأن يتناولوا هذا الباب بعد تكامل التفسير الموضوعي بما فيه الكفاية، ويقوموا بأداء حقه قدر المستطاع"

وإذا كان هذا شأن التفسير الموضوعي، فماذا نعني بالخطوة الموالية، أي التفسير الارتباطي؟
يجيب صاحب النفحات، أنَّ "التفسير الارتباطي يتناول مواضيع القرآن المختلفة من حيث علاقتها ببعضها"، وكأنَّه مرحلة تأتي بعد مرحلة التفسير الموضوعي طبيعيا. ومثال ذلك: بعد بحث موضوع "الإيمان"، و"العمل الصالح"، و"التربية"، و"الحضارة" في القرآن الكريم – مثلا -، كلا على حدة، تتم عملية البحث عن العلاقة بين هذه المواضيع بعضها ببعض.
ولعلَّ أنضج مرحلة يصل إليها التفسير، من وجهة نظر الشيرازي، ما وُصف بالتفسير العام، أو التفسير وفق "النظرة الكونية القرآنية"، ومن خلاله: "يتناول المفسر جميع مضمون القرآن فيما يتعلق بعالم الوجود، وبتعبير أكثر وضوحا: يربط كتاب التكوين مع كتاب التدوين وينظر إليهما معا، وتتم دراستهما من حيث ارتباطهما ببعضهما".

فهل عرَّف الشيرازي هذا النوع من التفسير تعريفا دقيقا؟
هنا كان لزاما علينا أن نضبط مصطلح "الرؤية الكونية"، والتي تعني عند علماء نظرية المعرفة: "اتخاذ موقف من عوالم الكون: الله، والإنسان، والطبيعة"، وهي مرادفة – مع بعض الاختلافات الطفيفة – لما عُرف "بالبراديم، أو النموذج"، وكذا "لرؤية العالم"...
ويمكن تلخيص دلالة الرؤية الكونية في ثلاثة عناصر:
الأول- تصور ذهنيٌّ للعوالم كلها.
الثاني- موقفٌ من هذه العوالم، بناء على التصور.
الثالث- خطَّة لتغيير العالم بناء على الموقف.

يبدو أنَّ الشيرازي اعتبر العنصرين الأولين: أي التصور، والموقف؛ ولم يهتمَّ بالنوع الثالث، أي الخطَّة؛ ومن ثمَّ فإنَّ تفسير القرآن الكريم من مدخل الرؤية الكونية، تعني صياغة دلالات ومعاني كلام الله تعالى، بناء على:
-تصوُّر كلي شمولي لله والإنسان والطبيعة.
-موقف واضح محدَّد من هذه العوالم.
-خطَّة محكمة للتحول من الفهم والموقف إلى الفعل والحركة.
ولقد اجتهد عبد الحميد أبو سليمان في مقاربة "أزمة المسلمين وتخلفهم" في كتابه الجديد: "الرؤية الكونية الحضارية القرآنية: المنطلق الأساس للإصلاح الإنساني"؛ وبمطالعته ومطالعة مصادر أخرى تعرَّضَتْ للرؤية انتبهنا إلى إشكال منهجي يعالج ترتيب الأمور:
فهل الرؤية الكونية هي نقطة بداية لتفسير القرآن الكريم، أم هي نتيجة للتفسير وحوصلة له؟
الحق أنَّ هذا الإشكال يشابه إشكال "مقاصد الشريعة" وعلاقتها بالأحكام الفقهية الجزئية؛ فأيهما أسبق من الآخر؟
بمعنى آخر، هل أشرع – قبل عملية التفسير – في ضبط رؤية كونية شاملة، ثم ألج إلى كلام الله آية آية والمرجع دوما هو هذه الرؤية؟ أم أنني أفسر المعاني، وأبين الدلالات، ثم أجمِّع إلى أن أصل إلى تحديد رؤية كونية قرآنية شاملة؟
هل البداية استقرائية، أم أنها استنباطية؟
حتى لا أوغل في المماحكات اللفظية، ولا أبالغ في لعبة المنطق، أود أن أنبه إلى أنَّ "نظرية الحالة" يمكنها أن تساهم في حلِّ الإشكال.
الحالة الأولى- يكون الانطلاق من كلام الله تعالى أولا، لكن ليس بقصد التفسير، وإنما بغرض الوصول إلى بناء منهجيٍّ متكامل، يحدِّد العلاقة من الله، ومن الإنسان، ومن الطبيعة (تصورا، وموقفا، وخطَّة)؛ أي يبني الرؤية الكونية؛ فإذا ما اكتملت هذه المرحلة، أمكن التحول إلى مرحلة متقدمة.
الحالة الثانية- يكون الانطلاق – دائما – من كلام الله تعالى، لكن هذه المرَّة بغرض الدلالة والمعنى، والفهم والتفسير... وإنما ليس بطريقة مفكَّكة، مجزَّأة، قد تعرِّض الكتاب الكريم إلى "تناقض أو تعارض أو اختلاف"، هو منه بريء: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"؛ بل باعتماد الرؤية الكونية القرآنية، التي شِيدت في الحالة (المرحلة) الأولى. ويمكن رسم هذا الشكل، للتوضيح: 

بهذا الشكل الحلزوني يمكن أن نمضي إلى مالا نهاية في تطوير عملية التفسير، ذلك أنَّ كلام الله تعالى "لا تنقضي عجائبه"؛ ويمكنا أن ننمِّي "الرؤية الكونية" في كل الحالات؛ لتلائم العصر من بابها المتغيِّر؛ دون أن نشكك في الثابت منها.
وأضمُّ صوتي إلى الغزالي والشيرازي فأقول: إنَّ هذا النوع من التفسير لـمَّا يولد بعد، وإن كانت بواكيره وبوادره تلُوح من بعيد، وتظهر في كتابات ثلة من العلماء والمفكرين من حين لآخر، غير مكتملة؛ تحتاج إلى من يجمعها وينسقها ويضيف إليها؛ وهذا بالضبط ما يسعى إليه مشروع "تفسير الرشد"،بتوفيق من المولى العليِّ القدير.
وأين العمل، من كلِّ هذا؟

إذا اقتحم المفسر كلَّ هذه المراحل، فإنَّه يصل إلى حافة الطريق، ولا يكاد يزيد؛ ويقترب من الغرض النهائي، ولا يلج؛ ذلك أنَّ ثمة مرحلة أخيرة، وهي: العمل، والفعل، والحركة، والحضارة...
فبعد أن يحدد المفسر المعنى، ويهتم بالموضع أو بالموضوع، ثم يجد الارتباطات، وينتهي بالتفسير الشمولي الكوني بمعالمه الثلاثة (التصور، والموقف، والخط)؛ تبقى أمامه خطوة أخيره، هي: تنفيذ الخطة، واقتحام العقبة، أو ما نصطلح عليه في "المنظومة المعرفية الرشيدة" بـ: تحويل المعرفة إلى سلوك، والعلم إلى عمل، والفكر إلى فعل... والنص إلى حضارة وتمكين.
ولا شكَّ أنَّ مجرَّد الوصف والتحليل والمقارنة في هذه المرحلة لا يغني، وإنما المطلوب منَّا هو إيجاد "آليات" للتفعيل، وصياغة "مناهج" للفعالية، وإبداع "وسائل" للتحول من النظر إلى العمل؛ ومقاربة كلِّ ذلك بالواقع، وملازمتُه، وقياسُه، وتقييمُه... إلى أن يعلو التفسير إلى مقام "الحركة الحضارية" و"الإيقاع التمكيني"؛ فنتمكن بعد ذلك من تحويل الآية إلى طاقة تصنع التغيير، والسورة إلى دولة تنشر العدل والقسط، فلا تبقى مجرَّد حرز يتلى، أو في أحسن الظروف معنى يتمتَّع به المدرك له؛ ثم تموت في صدره وبين ثنايا عقله، وقد يرددها كلمات جوفاء لا تحيي مواتا؛ ويأتي فعله خلاف فهمه، فيصدق فيه أنه أتى المقت: "كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".
وتفسير الرشد يعنى بهذه المرحلة كذلك، بعد المرحلة الكونية السابقة، ولا يدعي أنه سينجزها، أو أنَّ العمل فيها سيكون أحادي الجانب، لكنَّ صعوبة المهمَّة، وتعقد المنهج، يستلزم المرحلية والعمل الجماعيَّ؛ فهو بحقًّ تفسير شمولي عالمي كوني حضاري؛ شُرع اليومَ في خطوته الأولى، والنهاية يعلم الله سبحانه متى تكون، وقد لا تكون أبدا... ورائدنا وعزاؤنا قوله سبحانه: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين"، "وقل اعلموا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئكم بما كنتم تعملون".

المشاهدات: 1887

التعليقات (3)

RSS خاصية التعليقات
ادعوكم دكتور محمد الى نظرة تأملية عميقة جدا في كل كلمة من هذه الأية التي لها علاقة وطيدة بموضوعكم القيم .
0
- قال الله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)- الفرقان 33
Omardz , أبريل 10, 2010
أصبح الكل يدعي
0
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد تصنيفات العلماء والمفكرين، ما هي الإشارات الخضراء والخطوط الحمراء، لمن يستدل بالقرآن، من عامة الناس، مهما كانت النوايا حسنة والأفكار جائزة فيما يُدّعى؛ لرفع مستوى تفكير الناس وجعل سجاياهم تحاكي كلام خالقهم، دون تجاوز كل من هب ودب منهم.
رجاء!
0
أرجو من كل من يدلو بدلوه للتعليق على هذا الموضوع أن يكون ملما بمشروع الدكتور حتى يفهم فهما عميقا خلفيات الدكتور في طرح المصطلحات و المفاهيم و المعايير.
جسن بن يوسف , أبريل 13, 2010

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية