الحــوار مـع الغـــرب.. محاولة للتأصيل

إرسال إلى صديق طباعة PDF

كان لدعوة "حوار الحضارات" التي أطلقتها عدة شخصيات وجهات وتبنتها الأمم المتحدة صدى كبيرا لاسيما في الأوساط الإسلامية، حيث جاءت كرد فعل على نظرية "صدام الحضارات" لـ"صامويل هنتنجتون" ودعوة الحوار تتفق والمنظور القرآني الأصيل "لتعارفوا".. لا "لتصادموا".
في ضوء هذا الاهتمام تأسس برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة في نيسان/ إبريل 2002م استنادا إلى خطة علمية حددت دوافع هذا التأسيس وأهدافه الأساسية؛ والتي أعلنها في: دراسة الإطار النظري لموضوع البرنامج (العلاقة بين الحضارات) لتسكينه في موقعه من المنظورات الراهنة لدراسة العلوم السياسية بفروعها المختلفة.

وكان مشروع "التأصيل النظري للدراسات الحضارية" هو باكورة المشروعات البحثية الجامعية الممتدة التي قام عليها برنامج حوار الحضارات، واستغرق تنفيذه نحو عامين ونصف العام (شباط / فبراير 2003– آب / أغسطس 2005م) وكان المنطلق الذي حدده هو: ضرورة الوعي بأن البحث في الدراسات الحضارية ليس غاية في حد ذاته في نطاق هذا المشروع البحثي، ولكن لابد من تسكين هذا الموضوع في إطار العلوم السياسية، مع الاستعانة بتخصصات أخرى.

منهج التأصيل النظري ومحاوره
انطلق منهج عملية التأصيل النظري من قراءة نقدية تراكمية في الأدبيات المتعلقة بالعلاقة بين الحضارات، أو مجال الدراسات الحضارية من منظورات متقابلة في نطاق علم الفلسفة، التاريخ، الفكر، أو الأدبيات التي قدمت دراسة في النماذج الفكرية.
وانقسمت عملية التأصيل النظري بين مجموعات ثلاثة: المفاهيم، العلاقات والعمليات، الفواعل، وكانت كالتالي:
الأولى، وتتضمن: أثر الدين في الثقافة والحضارة، الفارق بين الثقافة والحضارة، أهمية الرمز الحضاري، النماذج الحضارية، قواعد التشكيل، الخصائص، الأسس.

الثانية، وتتناول: أنماط العلاقة بين الحضارات والثقافات (الحوار، الصراع، الصدام، التعارف، التثاقف، التسرب، النفاذية "Culture filter").

الثالثة: وتطرح موضوعات العلاقة بين الأنا والآخر، النظريات والرؤى من أنساق معرفية متقابلة ومنظورات متقابلة (التعددية، الهيمنة).

وتنقسم أعمال المشروع إلى سبعة محاور، من بينها: "الحوار، منطلقاته المعرفية، آلياته، أهدافه، دوافعه" وهو الكتاب الصادر عن "دار الفكر" في دمشق في طبعته الأولى 2008، في 215 صفحة، شارك في إعداده د. منى أبو الفضل، د. أميمة عبود، د. سليمان الخطيب.

وتقوم أعمال المشروع على عدة قواعد انطلاقا من ضرورة الوعي بالعلاقة بين دوائر ثلاث للبعد الحضاري، هي: وضع البعد الحضاري- الثقافي في العلوم الاجتماعية بصفة عامة، والعلوم السياسية بصفة خاصة، وقضية التأصيل في مجال الدراسات الحضارية، وتطوير منظور حضاري للعلوم السياسية، وتعميق الاهتمام بالبعد الحضاري في مجال حوار الحضارات.

النظرية الاجتماعية المعاصرة
تأتي الدراسة الأولى في الكتاب الأول لمشروع التأصيل النظري للدراسات الحضارية، للدكتورة منى أبو الفضل –أستاذ العلوم السياسية– للبحث في ادعاءات عالمية النظرية الاجتماعية المعاصرة، والتي تعمل من أجل تعزيز سطوتها وعلى الإمساك بتلابيب العمران والعصرنة، ومع ذلك تبقى هذه الادعاءات بالعالمية فيها كثير من المبالغة، نظرا لواقع ميدانها المعرفي المشروط بقيوده التاريخية وتحيزاته الثقافية، ومن ثم فإن أي ادعاء بالحصرية من جانبها ينطوي على مفارقة ويستوجب التمحيص والنظر.

وتؤكد الدكتورة منى أن الميدان مهيأ تماما من أجل القيام بمبادرة نقدية بناءة تكون الأساس في إشباع الطموحات المرتبطة بصياغة نظرية اجتماعية عالمية، سواء من حيث الأطراف المعنية أم من واقع الحال، حيث إن المتناقضات الناجمة عن عدم كفاية معرفتنا الاجتماعية، إضافة إلى قصور مناهج التعامل مع الظاهرة الاجتماعية تلقي بظلال من الشك حول جدوى العلم ومصداقيته في ضوء ارتباط الواهي بالواقع.

وترى -في ضوء العجز التفسيري وأزمة النظرية الاجتماعية الغربية المعاصرة- أن المحك الأساسي لعلم العمران الجديد، إنما يكمن في قدرته على تناول الأبعاد المتشابكة والمركبة لميدانه، فالخبرة البشرية ذات بعد عالمي يتمثل في امتداد الظاهرة الاجتماعية والنشاط الاجتماعي عبر الأجيال المتعاقبة، ومن ناحية أخرى فإن هذه الخبرة تتم في إطار من الخصوصية أو الذاتية، انسجاما مع مبدأ الزمنية والتنوع الأصليين، كما يكمن ذلك المحك في قدرة هذا العلم على بعث الرسالة الأخلاقية وإحياء الضمير المهني في الوسط العلمي.

ويشكل النظام المعرفي التوحيدي البعد المفتقد في ثنايا الخطاب السائد، ومن هنا فإن مقتضى الحال يستوجب الكشف عن مقولات هذا النظام وتوضيح فرضياته، وتبرر د.منى ضرورة هذا الكشف بالحاجة الملحة إلى مثل هذا التوضيح؛ لما يوفره هذا الكامن المغيب من إمكانات تصحيح للخطاب السائد الذي تفوقت فيه عناصر التقويض أو التدمير الذاتي على عناصر البناء الواعدة التي تأسست عليها الحداثة في مهدها، قبل أن تشيب وتعتريها الهرم والتآكل.

الثقافة الوسطى والحيوية الحضارية
تطلق د. منى مصطلح "الثقافة الوسطى" قاصدة الثقافة التي يقدمها النموذج المعرفي التوحيدي "الإسلامي"، وتشير إلى أن الحيوية الحضارية عندما تصدر عن النموذج الثقافي الوسطي تكون آثارها –غالبا ومن حيث المبدأ– مناسبة لمصلحة الكل المجتمعي، وذلك في ضوء المرجعية الراسخة التي يقدمها الوحي، فمثلا فكرة "المساقط الثقافية" حيث يتحدد لكل نمط قياسي فحواه وتماسكه ووجهته وغايته في مسقطه أو (قِبلَته) [وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا (148) ] {البقرة}.
وهي تميز بين مساقط أو مرتكزات أفقية وأخرى رأسية، وهذه المرتكزات يمكن تعريفها ابتداء بالنظر إلى موضع الوحي من تقاطعات الثقافة المعنية، ذلك أن ثقافة يحتل فيها مفهوم الهداية الصادرة عن أصل علوي موقعا مركزيا هي ثقافة ذات مسقط رأسي، أما الثقافة التي ليس فيها لمثل هذا المحور إلا موقع هامشي أو عرضي أو تحكمي، فهي ثقافة تكون ذات تعلق أفقي بالأساس، تتمحور حول المطلق الذاتي.
بعد استعراض نموذج "الصراع" و"التدافع" من المنظورين الغربي والإسلامي، أو على حد تعبير صاحبة الدراسة نموذج الثقافة "المتأرجحة أو المتذبذبة"، ونموذج الثقافة "الوسطى" تتساءل: ما الذي يستطيع منظور منبثق عن ثقافة الوجهة أو القِبلَة أو الميزان أن يقدمه للنظرية الاجتماعية المعاصرة؟

وتجيب بأنه من المناسب التركيز على الخصائص التي تجذب الباحث للثقافة الوسط من حيث هي مصدر ثري ومتاح لإعادة بناء المجال الحيوي للنظرية الاجتماعية، وذلك من خلال المحاور الثلاثة الآتية:
- يتعلق بمصادر المعرفة وأنماطها.
- يتعلق بإطار النظام الاجتماعي.
- يتعلق بالعلاقة بين الفكر والممارسة.

وانطلاقا من تلك المحاور يمكن للبحث المنتج أن يتكامل ويتشكل حول ثلاثة خطوط تتبادل التأثير والتساند هي: التصالح، وإعادة الاعتبار، وتحقيق التكامل، إن إعادة التفكير في النظرية الاجتماعية في ضوء النظام المعرفي التوحيدي تستهدف جعل هذا الخيار الذي يحقق الوفاق والرشاد ممكنا.

أسلوب الحوار
وفي دراسة الدكتورة أميمة عبود- أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة القاهرة- تطرح رؤية أولية بشأن أسلوب الحوار ودوافعه وأهدافه وشروطه وآلياته وأنماطه باعتباره أحد الأساليب الخطابية التي تتصف بنوع من التبادلية والتفاعلية، خاصة في ظل مقولة (صراع / حوار الحضارات أو الثقافات)، وما تستدعيه من قضايا وأفكار ومفاهيم تتعلق بشكل عام بمسألة العلاقات الثقافية الحضارية في مجملها وبأبعادها المتنوعة، وأيضا بسياقاتها وشبكاتها ومجالاتها الثقافية المختلفة.

وقد قسمت الدراسة إلى أربعة أقسام، أولها أسلوب الحوار من حيث تعريف المفهوم على المستويات المختلفة، اللغوية والاتصالية والفلسفية، وأنواعه، والفرق بين الحوار والمناجاة الذاتية (الديالوج والمونولوج)، ومكونات الحوار التي تتضمن العلاقة بين مكونات ثلاثة: ملفوظ، وفهم أو تفسير، وسياق، وكذلك استعرضت الدراسة الأساليب المتداخلة مع أسلوب الحوار مثل: الاتصال الاجتماعي، النقاش – والمحادثة... إلخ.واهتمت الدراسة في القسم الثاني بعرض السياقات المختلفة لأسلوب الحوار وناقشت عدة مفاهيم مثل: مفهوم الثقافة، ومفهوم المؤسسات، وعلاقات القوة بالسياق الاجتماعي والتاريخي.
أما في القسم الثالث فتناولت الإطار المفاهيمي والمنهجي لتحليل الحوار أو بعبارة أخرى؛ القواعد المنظمة لأسلوب الحوار وآليات تحليله في الخطاب في اتجاهاتها اللغوية التداولية أو البرجماتية مثل المنظور التفاعلي، والنظريات المتجهة إلى القارئ، أما في القسم الرابع فتناولت موضوعات الحوار وأطرافه ونتائجه.

أنماط انتقال الأفكار
ويحدد د.  سليمان الخطيب -الأستاذ بكلية دار العلوم- في بحثه إطارين اثنين لانتقال الأفكار،
الأول: التفاعل الإيجابي الناجز الذي ينطلق في تعامله مع الثقافات الأخرى من خلال مرتكزات تشكل حقيقة الهوية والمرجعية العقدية، وهذا المنهج يعني التعبير عن الخصوصية والذاتية لكل مجتمع.
والثاني: الاستلاب الفكري والانصهار الثقافي، والذي يعني الترويج لثقافة مغايرة في إطار من الإحساس بالدونية؛ في الوقت الذي يغيب في هذا المنهج ثقافة الذات والفكر المعبر عن هوية المتلقي، ويصفه الخطيب بأنه
"التيار التغريبي" والموجود في ساحة الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، وفي ميادين الاجتماع والسياسة وغيرها.
ويحاول الخطيب تحميل الغرب ما وصل إليه العقل المسلم من استلاب فكري يظهر في خطابه، لأن الغرب على حد قوله قام باختزال الحضارة البشرية كلها في إطار التاريخ الأوروبي، فالحضارة ولدت على يد الإغريق، وانتشرت بفضل الرومان، وانتكست في العصور الوسطى، ثم بدأت منذ عصر النهضة في الرواج والتطور.

وعلى الرغم من صحة تصور الخطيب فإنه ليس الوحيد في الخطاب الاستلابي، كما أن الغرب ليس مسئولا عما وصل إليه العقل المسلم، فلم يفرض الغرب على العقل المسلم الوقوع في التقليد والجمود والتعطيل الذهني الذي استمر قرونا عديدة، كما أنه لابد من تجاوز "مسألة الاستلاب" على حقيقتها، واكتشاف العلل التي أصابت العقل المسلم وجعلته يتوقف عن العمل والتطور.

الخطاب الاستلابي
ويصنف الخطيب الواقع الفكري الإسلامي أمام النهضة الغربية في طريقة التعامل معها إلى صنفين أساسيين؛ الأول: التيار التغريبي أو "الاستلابي" وهو الذي أوجد المأزق الحضاري للأمة المتمثل في التبعية الثقافية والفكرية لمفاهيم وتصورات الغرب وذلك بحكم "الهزيمة الحضارية".
والثاني الاتجاه التوفيقي: وقد اختلفت درجات التوفيق، بين ما هو إسلامي وغربي، من الدمج والتكيف والمواءمة، إلى الانزلاق المنهجي في إطار الخيار الاستلابي أمام ثقافة الغرب، وجاءت حركة الإصلاح التوفيقي لتمثل الأسلوب الآخر في التقليد الإسلامي لمجابهة التحدي فقد اتضح أن التحدي في جوهره حضاري، وليس بعسكري أو ديني أو سياسي.
وفي هذا العنوان يضعنا الخطيب بين نقيضين لفكرته، فبعد أن يقول: "إن التوفيقية هي الاستجابة الإسلامية المثمرة في المواجهة الحضارية" ص165، يعود مرة أخرى ليؤكد "أن المنهج التوفيقي يؤكد عزلة الفكر المطروح عن حركة الواقع التاريخي والحضاري للمجتمع، وذلك لغياب الوعي باستحالة انفصال عناصر ومقومات التجربة الحضارية في الغرب بعضها عن بعض، فكل منظومة حضارية تملك في داخل نمطها الخاص تماسكا لا نملك تفكيكه بحيث نأخذ ما نشاء ونترك ما نشاء، فإن في ذلك استحالة حضارية وتاريخية ومعرفية في وقت واحد".

ويشير الخطيب إلى مجموعة من العوامل داخل النظام المعرفي الإسلامي ساعدت على تحقيق "التثاقف الحضاري" بين الإسلام والحضارات الأخرى بصورة أكثر إيجابية وتفاعلية منها: حرية الاعتقاد، الإيمان بفكرة التنوع داخل الوحدة، التسامح والتعايش، الوحدة الإنسانية، دعوة الإسلام الملحة للتلازم بين العقل والإيمان، وجعل الأول طريقا للثاني.

والواقع المعاصر يشير إلى أن حركة التعامل مع الفكر الغربي تنقسم إلى ثلاث مراحل؛ الأولى: مرحلة الصدمة، والانبهار والاستلاب، والثانية تجاوز مرحلة الانبهار إلى مرحلة المقارنة والالتقاء بين الثقافتين الإسلامية والغربية، والمرحلة الثالثة: مرحلة الصحوة الإسلامية وهي مرحلة الوعي بالذات أو اكتشاف الذات، وهذه الأخيرة هي ما يؤكد عليها الخطيب ويعتبرها طريقا للنهضة الإسلامية، وذلك لأن جوهر الأزمة التي يعيشها العالم الإسلامي أنه مفتقد لذاتيته الثقافية وموروثه الفكري


*متخصص في الفكر التربوي الإمامي
المصدر: موقع مدارك. إسلام أونلاين

المشاهدات: 1338

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية