"مجمع البيان" للطبرسي.. تفسير من أجل التقريب

إرسال إلى صديق طباعة PDF

تفسير "مجمع البيان لعلوم القرآن" لأبي علي الفضل بن الحسن الطبَرسي، يسمى تفسير التقريب؛ نظرا لأن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي أنشئت (1366 هـ - 1947م) اختارته ليكون ضمن مطبوعاتها؛ لجمعه بين ما روي عن طريق آل البيت رضي الله عنهم، وما روي من طريق مذاهب السنة.

ولد أبو علي الفضل بن الحسن الطبَرسي عام 470 هـ في طبرستان في بلاد فارس، وعاش في المشهد الرضوي بخراسان فترة طويلة، ثم انتقل بعد ذلك إلى سَبْز دار من بلاد خراسان سنة 523هـ، وبها ألف كتابه هذا "مجمع البيان" وفرغ منه في ذي القعدة سنة 536 هـ.

وله في التفسير مؤلفات أخرى غير "مجمع البيان"؛ منها "الوسيط" وهو أربعة مجلدات، و"الوجيز" مجلد، و"جوامع الجامع"، والوجيز الكافي الشاف عن الكشاف –أي الكشاف للزمخشري، وكان السبب في تأليف هذا الأخير أنه حينما رأى كتاب الكشاف للزمخشري، بعد أن انتهى من "مجمع البيان" استحسن طريقته فألف تفسيرا مختصرا شاملا لفوائد الكتابين.
ومن مؤلفاته في غير التفسير: كتاب "العمدة" في أصول الدين، ورسالة "حقائق الأمور في الأخبار" وكتاب "في الفرائض والنوافل" بالفارسية، وكتاب "شواهد التنزيل لقواعد التفضيل"، وكتاب في النحو اسمه "المقتصد". توفي عام 548 هـ، وقد عاصر ما عرف بالدور الرابع للدولة العباسية.

لماذا سمي بتفسير التقريب؟
أنشئت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية (1366 هـ - 1947م)، وتعد هذه الدار العمل المؤسسي الأول في تاريخ المسلمين، الذي يظهر فيها نظاما أساسيا وقانونيا يلتزم به أعضاؤه المكونون من عشرين عضوا ينتمون إلى مختلف المذاهب الإسلامية "الشافعي – الحنبلي – الحنفي – الزيدي - الإمامي".

ومن أبرز أهداف هذه الجماعة كما قررتها المادة الثانية في قانونها الأساسي العمل على جمع كلمة أرباب المذاهب الإسلامية "الطوائف الإسلامية"، الذين باعدت بينهم آراء لا تمس العقائد التي يجب الإيمان بها، والسعي إلى إزالة النزاعات بين الشعوب والطوائف والتوفيق بينها.

ومثلت المطبوعات أهم الوسائل التي اعتمدتها جماعة التقريب في تحقيق أهدافها "نشر الكتب والرسائل"، كما جاء في المادة الثالثة. وقد وقع اختيار أعضاء الجماعة على إعداد وطباعة تفسير "مجمع البيان لعلوم القرآن" للطبرسي.
أما عن أسباب اختيار هذا التفسير دون غيره فقد جاء في كلمة اللجنة التي تولت الإعداد والطباعة له بعض مبررات هذا الاختيار: "... ثم إن كتاب.. مجمع البيان لعلوم القرآن الذي ألفه العلامة الطبرسي هو موسوعة جامعة مرتبة في فنون القرآن، وله ميزة بجانب ذلك ينفرد بها هي أنه يجمع ما روى عن طريق آل البيت رضي الله عنهم، وما روى من طريق مذاهب السنة، ويعنى بتوجيه مذهب الإمامية فيما انفردوا به من الآراء في أصول الأحكام وفروعها، كل ذلك في بيان قوي، ومنهج سوي". واللجنة المشكلة لإعداد هذا الكتاب والإشراف على طباعته تكونت من: محمد محمد المدني، عبد العزيز محمد عيسى، محمد محمد إسماعيل عبده. وقد صدر الكتاب عام (1387 هـ - 1958 هـ) طبعة دار التقريب بالقاهرة.

رأي شيخ الأزهر
أما الشيخ عبد المجيد سليم –شيخ الجامع الأزهر آنذاك ووكيل جماعة التقريب- فيقول عن هذا التفسير "... هو كتاب جليل الشأن غزير العلم كثير الفوائد وحسن الترتيب. لا أحسبني مبالغا إذا قلت إنه في مقدمة كتب التفسير التي تعد مراجع لعلومه وبحوثه، وجدت صاحبه عميق التفكر عظيم التدبر، متمكنا من علمه، قويا في أسلوبه وتعبيره، شديد الحرص على أن يجلى للناس كثيرا من المسائل التي يفيدهم علمها" جـ1 ص1.
وللطبرسي موقف مهم يؤكد بطلان القول بوقوع زيادة أو نقصان في القرآن الكريم، ويعتقد أن الصحيح في المذهب الإمامي هو حفظ القرآن وصيانته من التحريف، وهو ما أكده المرتضى قبله في جواب المسائل الطرابلسيات؛ وذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد.

منهجية التقريب
في مقدمة كبيرة نسبيا صدر تفسير "مجمع البيان" للشيخ محمود شلتوت (1893-1963م) صاحب الفتوى الشهيرة بجواز التعبد على المذهب الجعفري الإثني عشري، يرصد منهجية الطبرسي التقريبية ويقول: "... قد استطاع إلى حد بعيد أن يغلب إخلاصه للفكرة العلمية على عاطفته المذهبية، فهو وإن كان يهتم ببيان وجهة نظر الشيعة فيما ينفردون به من الأحكام والنظريات الخلافية اهتماما يبدو منه أحيانا أثر العاطفة المذهبية؛ فإننا لا نراه مسرفا في مجاراة هذه العاطفة، ولا حاملا على مخالفيه ومخالفي مذهبه" (جـ1، ص22).
ويؤكد الشيخ شلتوت ضرورة اتباع هذا المسلك الذي سلكه الطبرسي فيما يتصل بالنظرة "إلى أصول المذاهب ومسائلها الجوهرية نظرة هادئة متسامحة ترمي إلى التماس المعذرة وتقدير ما يوجبه حق المخالف في أن يدافع عما آمن به، وركن إليه، فليس من الإنصاف أن نكلف عالما مؤلفا، أن يقف من مذهبه وفكرته التي آمن بها موقف الفتور، كأنها لا تهمه ولا تسيطر على قلبه وعقله".
لذا يدعو الشيخ شلتوت إلى تبني الموضوعية والإنصاف للمذهب الآخر وأن يكون أمينا على التراث الإسلامي، حريصا على إخوة الإيمان استنادا إلى القاعدة المذهبية التي تمثل روح الاجتهاد المنصف البصير: "مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب".

نموذج تفسيري للتقريب
في هذا الشأن يذكر الطبرسي في تفسير قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، قوله: "قيل في معنى الصراط المستقيم وجوه: أحدها: أنه كتاب الله، وهو المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن علي وابن مسعود رضي الله عنهما، وثانيها: أنه الإسلام وهو المروي عن جابر وابن عباس، وثالثها: أنه دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره، عن محمد بن الحنفية, والرابع: أنه النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة القائمون مقامه، وهو المروي في أخبارنا".
ويعلق الطبرسي على هذه الآراء بعد عرضها بقوله: "والأولى حمل الآية على العموم حتى يدخل جميع ذلك فيه، لأن الصراط المستقيم هو الدين الذي أمر الله به من التوحيد، وولاية من أوجب الله طاعته" (حـ1 ص48).
ويعقب الشيخ شلتوت على هذا التفسير مشيدا بهذا النهج التقريبي في التفسير بقوله: "... فظاهر أن الرواية الأخيرة هي أقرب الروايات تناسبا مع مذهب الشيعة في (الأئمة) وهي المروية في أخبارهم، ولكن المؤلف مع هذا لا يعطيها منزلة الأولوية في الذكر، ولا الأولوية في الترجيح، بل يعرضها عرضا روائيا مع غيرها، ثم يحمل الآية على ما حملها عليه من العموم، وما أبرعه إذ يقول: (وولاية من أوجب الله طاعته)! إن الشيعي والسني كليهما لا ينبوان عن هذه العبارة، فكل مؤمن يعتقد أن هناك من أوجب الله طاعته وفي مقدمتهم الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي نفس هذا النهج عالج أيضا تفسير "مجمع البيان" آية الخمس (الأنفال: 41)، حيث استعرض الآراء على اختلافها: المذهب الإمامي، وابن عباس وقتادة وعطاء، والشافعي، وأبو حنيفة، ثم عقب بعد ذلك على الاختلاف في تفسير ذي القربى بين هذه المذاهب والآراء، مبينا أدلة كل رأي وحججه (حـ4، ص510).

منهجية التفسير
طرح الطبرسي عدة قواعد توضح منهجيته في التفسير هي:
أولا: اتبع أهل الكوفة في "تعداد آي القرآن" باعتبارها -حسب قوله- أصح الأعداد وأعلاها إسنادا.
ثانيا: القراءات: فيما يتعلق بالقراءات الواردة في تفسير تنطلق من اعتقاد المذهب الإمامي بجواز القراءة بما يتداوله القراء بينهم من القراءات، إلا أنهم اختاروا بما جاز بين القراء، وكرهوا تجريد قراءة مفردة.
وللطبرسي رأي في القول بأن القرآن نزل بحرف واحد، وهو ما روي في كتب أهل السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شافٍ كاف" اختلف في تأويله بين العلماء.. فمنهم من قال إنها وعد ووعيد وأمر ونهى وجدل وقصص ومثل. وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: نزل القرآن على سبعة أحرف: أمر وزجر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. وفي رواية أبو قلابة: نزل القرآن على سبعة أحرف: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل. وقال بعضهم: ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه ومجمل ومفصل وتأويل لا يعلمه إلا الله. ومع ذلك يشير الطبرسي في تفسيره إلى الآيات ذات القراءات المختلفة وحجج القراء في ذلك وترجيح ما يراه حسب دليله وحجته.
ثالثا: التفسير والتأويل: لا يرى الطبرسي اختلافا في المعنى بين التفسير والتأويل، فالتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل: رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر، والتفسير: البيان، وكأن المراد بقولهم "عنى به" كذا: قصد بالكلام كذا.
رابعا: ترجيح التفسير بالأثر: يؤكد الطبرسي أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح والنص الصريح.
خامسا: موقفه من التفسير بالرأي، يُنعي الطبرسي على أولئك الذي تمسكوا بالفهم الظاهر لحديث النبي صلى الله عليه وسلم "من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ"، وذلك لأن الله تعالى ندب إلى الاستنباط وأوضح السبل إليه ومدح أقواما عليه فقال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83] وذم آخرين على ترك تدبره والإضراب عن التفكر فيه {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فاقبلوه وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط" فبين أن الكتاب حجة ومعروض عليه، وكيف يمكن العرض عليه وهو غير مفهوم المعنى؟
سادسا: الإعراب، اهتم الطبرسي في التفسير بالإعراب، فبعد عرض الآية القرآنية موضع التفسير يأتي بالتوضيحات اللغوية "اللغة" ثم الإعراب، وترجع أهميته حسب قوله"... إليه – أي الإعراب – يفتقر كل بيان، وهو الذي يفتح من الألفاظ الإغلاق، ويستخرج من فحواها الأعلاق... وهو معيار الكلام الذي لا يبين نقصانه ورجحانه حتى يعرض عليه".
سابعا: المفصل والمجمل، إذا كان اللفظ غير مجمل يحتاج إلى بيان أو تفسير وتوضيح مثل قوله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}[الكهف:49]، {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}[البقرة:163]. وأما اللفظ إذا كان مجملا فيرده الطبرسي إلى السنة مثل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} فيحتاج إلى تفصيل أعيان الصلوات وأعداد الركعات ومقادير النصب في الزكاة. وإذا كان اللفظ يحتمل أمورا كثيرا أو لأمرين، فيحمل على الوجه الذي يصاحبه الدليل، ويحذر الطبرسي من "أنه لا ينبغي أن يقدم على أي من هذه الأمور بالقول إن المراد به كذا قطعا، إلا بقول نبي أو إمام مقطوع على صدقه، بل يجوز أن يكون كل واحد مرادا على التفصيل، ولا يقطع عليه ولا يقلد أحدا من المفسرين فيه إلا أن يكون التأويل مجمعا عليه فيجب اتباعه لانعقاد الإجماع عليه".
ثامنا: يوجد اختلاف طفيف في أسماء سور القرآن في تفسير "مجمع البيان" بالمقارنة بالشكل العثماني المستخدم مثل سورة (المسد= تبت)، (البينة = لم يكن)،
(الماعون= أرأيت)، وهذه الاختلافات في أسماء السور معترف بها في علوم القرآن، ولا غضاضة في ذلك.

وبوجه عام فإن "الطبرسي" صاحب تفسير "مجمع البيان" لم يكن يعهد بهذا التفسير لجماعة التقريب، فالفرق الزمني بينهما كبير يمتد لقرون، ولكن الوحدة الفكرية بينه وبين العقل التقريبي كان قصيرا جدا، بل متوافقا إلى حد كبير تمثل في طرح واستعراض آراء مختلف المذاهب الفقهية بعقلية إسلامية منفتحة، دون تعصب أو تقليد أعمى، أو عاطفة متشنجة كالتي نراها عند بعض المسلمين اليوم، بل ما أحوجنا إلى هذه العقلية، وبهذا المنهج وذلك المنهج العلمي الفريد، بلا مصلحة قريبة أو بعيدة إلا البحث والحقيقة.


الدكتور حسان عبد الله حسان، متخصص في الفكر التربوي الإمامي
المصدر: مدارك اسلام أون لاين

المشاهدات: 5531

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية