مفهوم مُجتمع المعرفة ودور التعليم العالي

إرسال إلى صديق طباعة PDF

يتميز أي مُجتمع عن المجتمعات الأخرى بمقدار تميز نشاطاته الرئيسة. وحينما نطلق وصف المعرفة على مُجتمع، فهذا يعني  أن النشاطات المعرفية هي مركز التميز المطلوب في هذا المُجتمع. ويعتمد الفرق بين مُجتمع معرفي في دولة من الدول ومجتمع معرفي في دولة أخرى على مدى تفعيل ومستوى فاعلية النشاطات المعرفية في كل منهما.

والنشاطات المعرفية الرئيسة ثلاثة هي: توليد المعرفة بالبحث والتطوير؛ ونشرها بالتعليم والتدريب ووسائل الإعلام المُختلفة؛ وتوظيفها والاستفادة منها في تقديم المُنتجات والخدمات الجديدة أو المُتجددة، وفي الارتقاء بالإنسان وإمكاناته الاجتماعية والمهنية.

وإذا نظرنا إلى النشاطات المعرفية الثلاث بمنظار التعليم العالي، نجد أن كلاً من نشاطات البحث العلمي وتوليد المعرفة، ونشاطات التعليم والتدريب ونشر المعرفة، تدخلان في جوهر مهمات مؤسسات التعليم العالي. ويُضاف إلى ذلك أن توظيف المعرفة، بمعنى توظيف الأفكار الجديدة التي تُقدمها نشاطات البحث العلمي، وكذلك توظيف المهارات المعرفية التي تُمثل مُخرجات نشاطات التعليم والتدريب، مسألة تدخل ضمن مهمات تفاعل مؤسسات التعليم العالي مع مؤسسات المُجتمع الأخرى القائمة على توظيف المعرفة عملياً والاستفادة من مُعطياتها.

وانطلاقاً مما سبق يُمكن القول إن أي مُجتمع يتطلع إلى التميز المعرفي يجب أن يهتم بشكل أساسي بمؤسسات التعليم العالي، لأن هذه المؤسسات تقوم بتنفيذ نشاطات تتضمن توليد المعرفة ونشرها. كما تُسهم أيضاً في نشاطات توظيف المعرفة، من خلال إمداد هذه النشاطات التي تُؤديها المؤسسات الأخرى بالأفكار الجديدة والكوادر المؤهلة، وتحفيز أعمالها وقدراتها، عبر اتفاقيات تسعى إلى تفعيل دور المعرفة في المجتمع.

ويطرح كتاب صدر عن جامعة الملك سعود بعنوان "منظومة مُجتمع المعرفة" مُشكلة انفصال النشاطات المعرفية وعدم تكاملها. ومن ذلك، على سبيل المثال، عدم التوافق بين موضوعات التعليم ومناهجه، وموضوعات البحث العلمي ومعطياته من جهة، ومُتطلبات مؤسسات توظيف المعرفة واحتياجات العمل والتطوير من ناحية أخرى. ويُبين الكتاب ضرورة تفاعل النشاطات المعرفية في إطار دورة مُتكاملة يرتبط فيها التعليم بالبحث العلمي، ويرتبط الاثنان معاً أيضاً بتوظيف المعرفة وتحقيق التطوير والتنمية.

ويدعو الكتاب إلى تفعيل النشاطات المعرفية ضمن دورة المعرفة، وينظر إلى هذا التفعيل من خلال خمسة محاور رئيسة. يرتبط أول هذه المحاور بوجود "استراتيجية مُشتركة" للنشاطات المعرفية. ويُركز المحور الثاني على "التقنية"، بما يتضمن وضع أولويات يجب الاهتمام بها لتعزيز تقديم مُنتجات وخدمات جديدة ومفيدة وناجحة. أما المحور الثالث فيهتم "بالمؤسسات" وأدوارها في تفعيل دورة المعرفة، وعلى رأسها مؤسسات التعليم العالي.  ويتطرق المحور الرابع إلى "الإنسان" عماد العمل المعرفي. ويوضح المحور الخامس دور "البيئة" المعرفية السليمة في الإسهام بتفعيل دورة المعرفة والاستفادة منها.

وعلى أساس ما سبق، يُقدم الكتاب منظومة مُجتمع المعرفة على أنها دورة النشاطات المعرفية، بشكلها المُتكامل، مع محاور خمسة رئيسة تُؤثر في تفعيلها. ولا شك أن دور مؤسسات التعليم العالي يُمثل الدور الأهم في هذه المنظومة. صحيح أن مؤسسات التعليم العالي لا تُقدم بنفسها المنتجات والخدمات المتميزة التي تُسهم في التنمية، لكنها تقوم بالنشاطات التي تُمهد لهذه المُنتجات وتمدها بالأفكار والمهارات اللازمة.

وخُلاصة القول هي أن بناء مُجتمع المعرفة يحتاج بصورة رئيسة إلى تعليم عالٍ متطور، يفتح جميع نوافذ العلم والتقنية وأبواب فكر العمل والإنتاج، ويُخطط بثقة لمستقبل زاهر، ويُسهم في الإبداع والابتكار، ويقوم بتهيئة الكوادر، ويتعاون ويبني الشراكات المعرفية مع المؤسسات المُختلفة داخلياً وخارجياً. وهناك مُؤشرات في الوقت الحاضر على مثل هذه التوجهات، تقودها جامعاتنا المتميزة بجهود حثيثة.

نأمل لهذه الجهود التوفيق، ونتمنى لها التكامل والتوافق والمُتابعة، والتعلم واكتساب الخبرة، ليس من النجاح فقط، بل من احتمالات الإخفاق أيضاً، فالإخفاق في نظر أهل الحكمة طريق من طرق النجاح الذي نتطلع إليه.

المصدر: موقع الدكتور عبد القادر الفنتوخ

المشاهدات: 2367

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية