المكتبة المدرسية وفعل القراءة

إرسال إلى صديق طباعة PDF

عرفت المكتبة المدرسة في السنوات الأخيرة اهتماما ملحوظا من جانب الفاعلين التربويين على اختلاف مواقعهم وتخصصاتهم. وقد جاء هذا الاهتمام نتيجة إدراك الجميع أهمية الخدمات التربوية والثقافية والترفيهية التي تقدمها المكتبة، والتي من شأنها المساهمة في تعضيد المقومات الأساسية للعملية التعليمية التعلمية، وتحديث المنظومة التربوية وفقا للتصور الإصلاحي المرتقب.

ولعل ما يميز المكتبة المدرسية في مفهومها الوظيفي هي أنها أصبحت من مظاهر الرغبة في النهضة والتطور وإصلاح مجال التربية والتعليم في المدرسة الحديثة في جميع البلاد العربية، لأنه لم يعد أي مجال للشك في أهمية المكتبة المدرسية، كما لا يوجد من "يقلل من قيمتها التربوية بعد أن أصبحت في ضوء المفهوم الحديث للمنهج جزءا ضروريا لا يمكن للمدرسة أن تستغني عنه في عمليتها التعليمية"(1) ومن هنا جاءت ضرورة الاعتناء بهذا المرفق التربوي والتثقيفي الهام وإعطائه العناية والاهتمام الضروريين بعد الغبن والإهمال الذي طاله زمنا طويلا. وحتى تؤدي المكتبة المدرسية وظيفتها كاملة أصبح من الضروري أن تخضع لتخطيط منهجي مدروس تحدد على ضوئه أهدافها ووظائفها التي تصب في آخر المطاف في غايات وأهداف المنظومة التربوية التي تقوم بها المدرسة.

- تعريف المكتبة المدرسية:
تعرف المكتبة عموما بأنها "مجموعة من المواد المكتبية نظمت تنظيما فنيا يسهل الوصول إليها واستخدامها"(2) وتقوم الخدمة المكتبية على ثلاثة عناصر أساسية هي :
1 - الفضاء المكتبي، أي المكان الذي يكون المكتبة
2 - الرصيد الوثائقي من كتب ووثائق مختلفة
3- العنصر البشري، وهو القيم أو المشرف على المكتبة


وتعرف لوسيل فارجو فضاء المكتبة بقولها "إنها كمختبر للقراءة، هي قاعة يرتاد التلاميذ رفوفها (تحت الإشراف) ويتصفحون ما عليها من كتب ومجلات وكتيبات وملفات للصور، وهي المكان الذي يتعلمون فيه كيف يستخدمون الكتب والأدوات ، وذلك باستغلالها في الرجوع والبحث والتنقيب، وهي المكان الذي تشارك فيه الصفوف الأولى من المرحلة الثانوية خاصة في الخبرات عن طريق سرد القصص والقيام بالتمثيليات، وعرض الملخصات، وإدارة المناقشات، وغيرها من المناشط الاجتماعية"(3) ولعل هذا التعريف الأخير يحدد بعض المهام التربوية والتنشيطية والثقافية التي تقام داخل فضاء المكتبة، باستغلال الرصيد الوثائقي، وتحت إشراف القيم على المكتبة وبتعاون مع المدرسين ومجلس المكتبة وجماعة أصدقاء المكتبة والرواد ...
وبالإضافة إلى إكساب عادة القراءة والبحث فإن المكتبة المدرسية وسيلة تعليمية عالية للتثقيف الذاتي وهي تساهم في التكوين المستمر والتعليم الدائم. فالمكتبة من هذا المنظور دعامة أساسية للبرامج الدراسية وقناة تساعدها على التطور السريع والفاعل. وهكذا لم تعد المكتبة المدرسية مجرد مكان للمطالعة واقتناء الكتب والوثائق فقط" بل عاملا رئيسيا من عوامل التربية والتعليم والبحث والتثقيف والتكوين الذاتي"(4) ولذا اعتبرت المجتمعات الحديثة المكتبة بنية أساسية داخل المؤسسة التعليمية و إحدى الوسائل الأساسية التي تسهم في إعداد المتعلم لاكتساب القدرات التي تؤدي إلى نموه نموا متكاملا ، ومن أهم القنوات لنشر المعرفة، والتثقيف والبحث والتسلية والتعلم الذاتي"(5)

- أهمية المكتبة المدرسية في الفعل التربوي:
لعل مما تقدم يتبين الدور الهام الذي أناطه الباحثون في مجال المكتبات والتوثيق والإعلام بالمكتبة المدرسية، التي استقرت كمرفق حيوي من مرافق المدرسة، لما توفره من مصادر تعليمية تعتمد عليها البرامج التعليمية والتربوية، ولذلك فكلما تطور التعليم وارتفعت كفاءاته الداخلية والخارجية إلا وازدادت أهمية المكتبة المدرسية في الفعل التربوي، وبرز دورها الرائد في المساهمة في تحقيق التطور المطرد. ومن هنا حق القول بأن المكتبة المدرسية "تمثل أهمية متميزة في التعليم الحديث، إذ عن طريق خدماتها وأنشطتها المتنوعة يمكن تحقيق الكثير من الأهداف التعليمية والتربوية للمدرسة العصرية". ( 6) فكلما زاد نطاق الاهتمام والاعتناء بالمكتبة المدرسية ومكوناتها إلا وازداد تأكيد وجودها داخل فضاء المدرسة، باعتبارها مرفقا حيويا لا يمكن الاستغناء عنه أو التقليل من أهميته لما تؤديه من وظائف تربوية تعليمية وتثقيفية لا تعزب عن بال المهتمين و المربين.

وما يميز المكتبة المدرسية عن أنواع المكتبات الأخرى، كالمكتبة الجامعية والمكتبة العمومية والمكتبات الخاصة التجارية ومراكز التوثيق و الإعلام، هو أنها أول ما يقابل المتعلم أو القارئ في حياته، وبالتالي فإن علاقته بهذه المكتبة الأولى ستتحكم في مسار القراءة لديه من خلال المهارات التوثيقية والقرائية التي اكتسبها في مرحلة تردده على المكتبة المدرسية في المرحلة الابتدائية، كما سترسم علاقاته بالمكتبات الأخرى في سنوات حياته فيما بعد. ومن هذا المنظور يمكننا القول "بأن المكتبة المدرسية يقع عليها عبء تكوين المجتمع القارئ الذي يقود الحياة الثقافية والأدبية والعلمية في المستقبل"(7)
ومما يؤكد ضرورة التفكير في تعميم المكتبات المدرسية في جميع المؤسسات التعليمية، وعلى مختلف أطوار التعليم، تأكيد الأبحاث والدراسات والتقارير التربوية في المنظومات التعليمية الغربية على مساهمة مكتبة المدرسة في التغلب على الكثير من المشاكل التعليمية والتربوية الناتجة عن المتغيرات التربوية والإجتماعية الوطنية والعالمية، وذلك بفعل دورها التكاملي مع البرامج والمناهج الدراسية، وتعميق أهداف وغايات التعليم، وتطعيم فعاليته عن طريق تزويد المتعلم بمهارات وخبرات تعمل على تعديل سلوكه وترسيخ عادات تربوية واجتماعية وتعليمية مرغوبة، خصوصا في المرحلة التعليمية الأولى التي تعد مرحلة أساسة في ترسيخ السلوك الإيجابي الذي هو غاية هذه المرحلة الهامة في وظيفتها وأهدافها، لا توفرها المدرسة التقليدية بأساليبها العتيقة وبرامجها المعتمدة على التلقين والحفظ.

- وظائف وخدمات المكتبة المدرسية:
جاء في بيان اليونسكو الخاص بالمكتبات المدرسية ما يلي "إن المكتبات المدرسية توفر معلومات وأفكارا تعتبر عاملا أساسيا للنجاح في العمل في المجتمع المعاصر القائم على المعلومات والمعارف"(8) وهذه المعلومات و لمعارف التي توفرها المكتبة المدرسية للتلاميذ، تشكل نوعية مضافة ومكملة للبرامج الدراسية وخصوصا في عالم تتغير فيه المعرفة و تطور باستمرار وهكذا تبقى المهارات المكتسبة رصيدا ضروريا للتعلم مدى الحياة، بما يترسخ لدى المتعلم من مدارك خيالية وعلمية وأدبية تمكنه في المستقبل من العيش كمواطن مسؤول.

ومن مهام المكتبة المدرسية توفير خدمات متنوعة للرائد والمتعلم، سواء بواسطة الكتاب أو الوثائق والمصادر والموارد المعرفية الأخرى بجميع أشكالها وشتى وسائطها .. وسيخلق الانتفاع الفعلي و لإيجابي للمعلومات و لمعارف لدى المتعلم استعدادا ورغبة في تكوين استقلالية فكرية وأدبية واكتساب قدرة فعلية على التفكير الناقد والمبدع المستقل. ولكن لن تكون هذه الخدمات في تطور واطراد ما لم يسع المسؤولون في المصالح المركزية والإقليمية والمؤطرون والقيمون والإدراة التربوية والجمعيات والهيئات المتشاركة في المؤسسة التربوية إلى العمل على تطوير سياسات الخدمات والبرامج التأهيلية واختيار واقتناء الرصيد الوثائقي وإغنائه باستمرار، "وتوفير الإمكانيات المادية والفكرية للانتفاع بالمصادر الملائمة للمعلومات، وتوفير المرافق التوجيهية، واستخدام الموظفين المدربين"(9)

ويمكن رصد أهم الخطوات لتأمين خدمات مكتبية فعالة ومسؤولة في النقط الآتية :

* صياغة سياسة خاصة وواضحة على الصعيد المركزي والجهوي والإقليمي خاصة بالمكتبات المدرسية، بهدف تحديد الغايات ولأولويات و لخدمات وفقا للمناهج والبرامج الدراسية المقررة

* توجيه عناية خاصة لجانب التكوين و لتوثيق وهيكلة المكتبة المدرسية و نظيمها وفقا للمعايير العلمية والمهنية المتعارف عليها عالميا.

* توسيع شبكة المكتبات المدرسية وتعميمها في كافة المؤسسات التعليمية وتزويدها وتأثيث فضاءاتها

* جعل المكتبة المدرسية عملا تربويا يساهم فيه جميع الفاعلين التربويين ويعملون على تطويره والارتقاء به والمساهمة في إنجاحه

- فضاء المكتبة واكتساب عادة القراءة:
لعل من أهم وظائف المكتبة المدرسية غرس وتنمية عادة القراءة والإطلاع لدى المتعلم خصوصا في المرحلة الابتدائية وتنمية التفكير العلمي الخلاق الدافع إلى البحث عن المعارف والحقائق، بحيث تصبح عادة القراءة والبحث ملازمة للتلميذ والطالب مدى الحياة، ولكن هذا لن يتأتى إلا إذا وجد التلميذ داخل المكتبة المدرسية الرصيد الوثائقي المتنوع الذي يشبع فضوله ورغباته عن طريق تحقيق متعة القراءة في ما يطلبه ويميل إليه، وأيضا القيم الكفء والمطلع صاحب المهارات والكفايات القرائية الذي يرشده إلى اختيار الكتب والمواد والمواضيع الكفيلة بتحقيق الأهداف الفردية والجماعية التي تلبي إشباع رغبة القراءة لديه.

إن المكتبة لا تبدأ من حيث تنتهي المدرسة، بل إنها تعمل معها في تواز مستمر، لأن الغرض الأساسي من وجودها هو مساعدة المدرسة على تحقيق رسالتها في النواحي التعليمية والتربوية كافة، فهي إذا مكتبة الغرض الواحد. فكل ما تقوم به المكتبة المدرسية يصب في اهتمام واحد هو خدمة المتعلم والمدرس والموظفين بالمؤسسة التربوية. أي أن خدمة الرواد هو الهدف النهائي من جميع الأنشطة التي تؤديها المكتبة المدرسية، ومن أهم هذه الخدمات إكساب المتعلم مهارة القراءة التي لا تتاح له داخل الفصل الدراسي الذي يعرف مشاكل تربوية وإدارية وتنظيمية عديدة لا تسمح له بتطوير هذه المهارة ولا باكتشاف متعة القراءة وآفاقها.

فالقراءة نشاط ذهني مركز، وهي أساس التحصيل المعرفي والثقافي، ومن هنا يرى بعض المربين بأن القراءة "يجب أن تأتي في مقدمة المواد الدراسية جميعها"(10) وقد انتقل مفهوم القراءة من التصور التقليدي الذي اعتبرها على أنها إدراك بصري للرموز المكتوبة و التعرف عليها، إلى اعتبارها "عملية فكرية عقلية يتفاعل القارئ معها ويفهم ما يقرأ وينقده و يستخدمه في حل ما يواجهه من مشكلات والانتفاع بها في المواقف الحيوية"(11) فالقراءة أصبحت مرتبطة بالعامل الوظيفي، وهي لا تنتهي بانتهاء العمر الدراسي، بل إن رسوخها في المرحلة الأساسية الأولى يضمن بقاء هذه العادة المحمودة مدى الحياة.

ويرى الكثير من المربين المتشبثين بالكتاب والقراءة في العصر الحالي، بأنه بالرغم من تطور الوسائط المعرفية والتثقيفية و المعلوماتية وتنوع أوعيتها واستخدامها في العملية التعليمية، إلا أن القراءة ستظل عماد العلم والمعرفة. وهكذا سيظل المبدأ والهدف الأساسي الذي تسعى الخدمة المكتبية إلى تحقيقه والمحافظة عليه هو جعل القراءة والكتاب جزءا هاما في حياة المتعلم حاضرا ومستقبلا، عن طريق الاتصال المباشر بمصادر المعرفة المختلفة وخصوصا الكلمة المكتوبة التي يمكن الاطمئنان إلى صحتها.

وإذا كان الاتصال المباشر بالكتاب يؤدي إلى تحقيق الرغبة في التعلم والمعرفة وإشباع الفضول العلمي، فإن فعل القراءة سبيل إلى الوصول إلى مجالات أوسع للتنمية الذاتية، وتحقيق التعلم الذاتي من خلال القراءة الفردية التي تعول عليها المدرسة الحديثة والعملية التعليمية في تحقيق أهدافها وغاياتها. ولا يجادل اثنان في كون القراءة الذاتية الطواعية التي يكون دافعها الرغبة والميول هي الضمان الوحيد لتعليم يحقق أهدافه ورسالته، وبدونها فإننا لا نحصل إلا على تعليم هزيل.

وتتنوع القراءة بتنوع الغرض منها، فهناك القراءة التحصيلية أو الدراسية وجمع المعلومات لغرض من الأغراض، وهناك القراءة للمتعة الذهنية والترويح واستغلال وقت الفراغ، بالإضافة إلى القراءة النقدية التحليلية. إلا أن المكتبة المدرسية ينبغي أن توفر جميع أنواع القراءة وذلك بتنويع و إغناء رصيدها الوثائقي وتحسين وجودة خدماتها، حتى يجد كل قارئ ما يستهدفه ويصبو إليه. ويمكن تحديد بعض أهداف القراءة في المكتبة المدرسية في النقط الآتية :

* تحسين مهارات القراءة
* التعرف على تنوع المواضيع وأشكال المعرفة
* اكتساب الميل إلى القراءة بدافع المتعة الذهنية والعقلية
* استغلال فعل القراءة في تكوين اهتمامات وأغراض أخرى
* تعميق المعرفة واكتشاف الاستعدادات والميول في لون من ألوان الكتابة الأدبية أو العلمية
* تحسين مهارات استخدام المراجع والمصادر في الأبحاث والكتابات
* التعمق في معرفة الحياة عن طريق الإطلاع على حياة الكتاب والمواقف و تجارب والانفعالات
* استخدام القراءة لتكوين أحكام منطقية وصحيحة على الأفكار و لناس في الحياة العامة
* استخدام القراءة في حل المشكلات الشخصية و ي تنمية الهوايات والاهتمامات الشخصية

وهكذا يتبين لنا الدور الهام للمكتبة المدرسية في توفير مجال القراءة والتشجيع عليها وتهيئ الفضاء الملائم لها، وكلما تنوعت الخدمات المكتبية الهادفة أساسا إلى تنشيط القراءة والدفع إليها وتحبيبها إلى المتعلمين والرواد، إلا وانعكس ذلك إيجابا على مردودية التلاميذ والرفع من المستوى التعليمي، وإبراز جهود المدرسين والمربين وإنجاح رسالة المدرسة في تحقيق أهدافها وغاياتها.


المصدر: شبكة ضفاف لعلوم اللغة العربية (بتصرف)



1- د. عبد الله الشريف: مدخل إلى علم المكتبات والمعلومات، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان . ليبيا . ط 1 . 1983 . ص 42
2- حسن محمد عبد الشافي: المكتبة المدرسية ودورها التربوي، مؤسسة الخليج العربي . ط 2 . 1987 ص 38
3- لوسيل ف فارجو: المكتبة المدرسية: ترجمة د محمد الفراوي، القاهرة، دار المعرفة . 1970 ص 63
4- أحمد عبد الله العلي: المكتبات المدرسية والعامة، القاهرة 1993 ص 42
5- محمد أبو نعيم وأحمد السعيد أكريط: واقع المكتبات المدرسية وأفق تفعيلها، مجلة خطوة تصدرها ( نيابة سيدي يوسف بن علي ) عدد 1 شتمبر 2001 ص 32
6- حسن محمد عبد الشافي: المكتبة المدرسية ودورها التربوي ن مرجع سابق ص 13
7- المرجع الساتبق ص 13
8- بيان الإتحاد الدولي لرابطات المكتبات وأمناء المكتبات ( إيفلا) واليونسكو بشأن المكتبات المدرسية، دون تاريخ ، ص 1
9- المرجع السابق ص 3
10- لوسيل فارجو: المكتبة المدرسية: مرجع سابق ص 121
11- عبد العليم إبراهيم: المرجع الفني لمدرس اللغة العربية، نقلا عن المكتبة المدرسية ودورها التربوي، مرجع سابق ص 50


المشاهدات: 3647

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية