د. محمد بن موسى باباعمي
«لا تبحث عن المعنى، ابحث عن
الاستخدام»، «أنظرُ إلى الجملة على أنها أداةً، وإلى معناها على أنَّه وظيفة تلك
الأ
داة» هذا شعار رفعه فتغنشتين، ضمن براغماتيته في تقرير وظيفة
اللغة (الكوثر).
نحن في هذا المبحث ننقِّب عن المعنى، ولكن، هل لنا أن
نصير إلى التعريف الإجرائي (operationel Definition) على حساب التعريف التصوري
(conceptual Definition)؟ -(رجب).
لا شكَّ أنَّ تعريف "مناهج البحث
العلميِّ" يفرض علينا أن نختار بين السبيلين، وإنَّ العشرات من الكتب التي ترتصُّ
في مكتبي وأنا أحاول تعريف "مناهج البحث العلمي"، لتجعلني في حيرة من اختيار أيِّ
المدخلين أفضلُ، وأيِّ السبيلين أقوم.
لكن، ما من شكٍّ أنَّ طبيعة "مناهج البحث العلمي" في نظري هي
أقرب إلى الفنِّ منها إلى العلم، ولقد وفِّق بقردج في اختياره لعنوان كتابه: "فنُّ
البحث العلمي"؛ في مقابل الكثيرين ممن يكررون مجرَّد عبارة "منهج (أو مناهج) البحث
العلمي" من دون تخصيص، أو إضافة، أو ضبط، مما يجعل ما يؤلِّفون يختلف عن المراجع
التي اعتمدوها في إعداد عملهم.
يقول بقردج: «إنَّ البحث العلميَّ واحد من
أوجه النشاط المعقَّدة المحيِّرة، التي تظلُّ عادة غير واضحة المعالِم تماما في
أذهان من يمارسونها. ولعلَّ هذا هو سبب اعتقاد أغلب العلماء أنه ليس في الإمكان
إعطاء أية دراسات منهجية في كيفية إجراء البحث العلمي» (بقردج).
وإني –
مجاراة للمعهود – في المصادر، سأحاول تعريف "مناهج البحث العلمي"، بأساليب
ثلاثة:
- من خلال تفكيك المضافات أولا،
- ثم أعرِّفه لفظا
مركَّبا...
- ثم أعرِّفه من مدخل إيتمولوجي يوناني، أي أعرّف مصطلح
"methodology".
التعريف التفكيكي:
تعريف "العلم": الكثير
ممن حاول تعريف العلم كونه مضافا إليه في مادة "مناهج البحث العلمي"، فسقط في
مصطلح المعرفة، وخلط بين المصطلحين (مثل: التير، وفرح...)، وهذا ما يصدِّق نظرية
"تحويل المعلومة إلى معرفة"، التي حاولت أن تفصل بينهما بدقَّة، مقرِّرة أنَّ
العلم مرحلةٌ أدنى من المعرفة، وأنَّ «هاتان الكلمتان غالبا ما تُستعمل إحداهما
مكان الأخرى، مع أنَّ لكلِّ منهما معنى مختلفا» (دقيلين).
فقاموس وِبستر
الجديد مثلا، يعرِّف العلم بأنه «المعرفة المنسَّقة التي تنشأ عن الملاحظة
والدراسة والتجريب والتي تتم بغرض تحديد طبيعة أو أسس وأصول ما تتم دراسته»
(webster's dictionary) فينساق وراء هذا التعريف أحمد بدر، ثم ينقله عنه
قنديلجي، دون أن يشيرا إلى الخلل الذي نحن بصدد (بدر) (قنديجلي). ولقد لاحظ كلٌّ
من د. حلمي محمد فؤاد ود. عبد الرحمن صالح عبد الله هذا الانسياق لدى محمد بدر،
فقرَّرا ما يلي: «لقد بُهر البعض بالإنجازات العلمية المادية التي أحرزها المجتمع
الغربي، فأخذ يتبنى اتجاهات تخرج عن الإطار الصحيح. ومن الأمثلة على ذلك، الاتجاهُ
الذي يصرِّح به الدكتور أحمد بدر في كتابه المسمَّى "أصول البحث العلمي ومناهجه"».
(حملي وعبد الرحمن).
فالعلم – بناء على نظرية ديفيلين – هو فعل اكتساب
المعلومات، التي تعني قاعدة البيانات مضافا إليها "المعنى". وتكتب وفق المعادلة
التالية:
العلم (اكتساب المعلومات) = البيانات + المعنى.
أمَّا
المعرفة فهي «خليط من تجارب محدَّدة، ومعلومات سياقية، وبصيرة نافذة تزود بأساس
يقوم ويجسد تجارب ومعلومات جديدة» (دقيلين)؛ وباختصار تكتب المعادلة الآتية:
المعرفة = المعلومات المختزنة + القدرة على الاستعمال
من هنا
يستنِد البحث دوما إلى "العلم"، فيقال "البحث العلمي: ولا يقال "البحث المعرفي"،
وهذا دليل واضح على أنَّ البشرية لا تزال في مرحلة "المعلومة"، ولم تتخطاها بعد
إلى مرحلة "المعرفة".
أي أنَّ البشرية قادرة على التحليل والتركيب،
وعلى الملاحظة، والاستشكال، والافتراض، وعلى اختبار الفروض، ووضع النظريات؛ لكنها
عاجزة عن تحويل الكثير من تلك المعلومات إلى معرفة، وإلى قدرة على استعمال تلك
المعلومات... وبهذا تفسَّر الانتكاسات المتوالية في العديد من المجالات، التي خاض
فيها العلماء عبر تاريخهم الطويل.
ومن ذلك، مثلا، أنَّ علم الاجتماع
بالخصوص – والعلوم الإنسانية عموما – لم يتمكَّن رغم كثرة النظريات، وتعدد
المدارس، والملايين من المؤلفات، والآلاف من الجامعات، والتخصصات... لم يتمكن من
تحقيق أبسط أهدافه المسطَّرة «ويجدر التوكيد على أنَّ أمراض العالَم وقضاياه
المشار إليها، لم تشفَ بتطبيق المزيد من العلم التقليدي، والتكنولوجيا. فبالرغم من
التقدم العلمي الهائل، الذي حصل عالميا حتى اليوم، والتكنولوجيات العجيبة التي
نجمت عنه، فإنَّ أحوال العيش للغالبية العظمى من البشر لم تتحسَّن، بل تردَّت»
(الصيداوي).
ورغم كثرة المذاهب والنظريات في التربية والتعليم، فإنَّ
المدرسة اليوم باتت موضع شكٍّ وريبة (فرنسا، بريطانيا، مثلا)، «ولقد شهد القرن
العشرون مع نهايته زيادة عظيمة في أنشطة إدخال الإصلاحات في المدارس وتجديدها،
وإعادة تشكيلها» (ديفيز). ذلك أنَّها لم تحقق ما كانت تحلم به، فلا نزال اليوم في
مراحل بدائية تماماً، ذلك «أننا بحاجة إلى تعليم يتيح للصغار والكبار على حدٍّ
سواء مهارات ومعرفة أكاديمية متينة، وتجربة ومهارات مرتبطة بالعمل. غير أنَّ
المعرفة والمهارات غير كافية بحدِّ ذاتها... فالصغار والكبار يحتاجون إلى تنشئة
ودعم على الصعيدين الشخصي والعاطفي، علاوة على المعرفة والانضباط. كما يمكن أن
تمارس المؤسسات التربوية على المستويات كافة تأثيرا إيجابيا في التطور الأخلاقي
والمعنوي، وفي تعزيز القيم الروحية» (ديفيز).
إنَّ الذي كتب هذا التقرير
ليس عالم دين (بالمصطلح الشائع)، لكنه خبير في مجال التربية والتعليم، وصاحب
شهادات عالمية. وهو بحقٍّ يشير إلى فقر العلم، وإلى الحاجة إلى المعرفة... لكنه،
مع ذلك، يبقى بعيدا عن أبعاد أعمق للإنسان، مثل: العلاقة بالخالق، والمصير بعد
الموت... ومسائل أخرى، لم يجد لها البحث العلمي حلاُّ، إلاَّ ما كان من تخمين في
الميتافيزيقا.
ومثل هذا الإفلاس يصدق على السياسة، والاقتصاد،
والإعلام... فالمزيد من المعلومات، لا يعني المزيد من التغيير نحو الأحسن
بالضرورة.
ومن العجيب أننا لم نطَّلع على شيء يسمَّى "البحث المعرفي"،
ولا نعني بذلك "نظرية المعرفة"، ولكن، منهجَ تحويل المعلومات إلى معرفة نظريا
وتطبيقيا في آن واحد... وإن سجَّلنا مقاربات جديدة، مثل: البحث بالأهداف، وبحوث
الفعل؛ لكنها لا تزال في المهد.
تعريف
"البحث": إذا كان مصطلح "العلم" قديما قدم الإنسان، وملازما له ملازمة لصيقة لا
تنفكُّ، إلى أن يفنى من الوجود، فإنَّ مصطلح "البحث" أقصر عمراً بالنظر إلى اللفظ
الدالِّ، ولكنَّ المعنى والمدلول قديم قدم البشرية.
فعن العلم قال
تعالى: «وعلَّم آدم الأسماء كلَّها»، فاللفظ هنا وفي غيره من الآيات قد اكتمل في
مبناه وفي معناه؛ أمَّا "البحث" فقد ورد بمعناه دون لفظه في قوله تعالى: «فطفقا
يخصفان عليهما من ورق الجنَّة». وبعد ذلك بحقبة، نقرأ عن ابني آدم قصَّة الصراع
بين الشرِّ والخير، وفيها لفظ "البحث"، لكنه من خارج النصِّ، وليس من داخله: «فبعث
الله غرابا يبحث في الأرض». ولا ندري هل وظَّف ابنا آدم لفظ "البحث" بلغتهم، أم
لم يوظفا هذا اللفظ.
والبحث في اللغة هو الطلب، والتنقيب، والاستقصاء،
والتفتيش.
وأذكر أنَّ أستاذي د. موساوي سألني بنزعته المنطقية، في
بدايات اشتغالي بالبحث ما بعد التدرُّج، منذ أزيد من عقد من الزمن، أن أعرِّف
مصطلح "البحث". فلمَّا حاولت أن أتذكَّر ما قرأت في مراجع "مناهج البحث العلمي"،
قال: لا تعقِّد التعريف. إنِّي لو سألتك أن تبحث عن شيء هو أمامك، هل ستفعل؟ قلت:
لا، لأنَّه سهل الإدراك.
ثم سألني: لو طلبتُ منك أن تبحث عن شيء معدوم،
هل ستفعل؟ قلت: لا، لأنه لا جدوى من البحث عن المعدوم.
قال: إذن، تبحث
عن ماذا؟
قلت: عن شيء موجود، ولكنه صعب الإدراك.
قال: هذا هو
البحث في أبعد معانيه، فلا يُطلب منك أن تبرهن عن المسلمات والبديهيات، ولا تُسأل
الإتيان بما ليس في الوسع. فقط حاول أن تصل إلى الجديد، بعد جهد واجتهاد.
ولقد عرَّف العديد من الكتَّاب البحث بأنه:
«استقصاء دقيق، يهدف
إلى اكتشاف حقائق وقواعد عامَّة، يمكن التحقق منها مستقبلا» (بدر، نقلا عن
Whitney).
ثم استنتج بعد جملة من التعاريف المتقاربة أنَّ البحث هو
«عملية تطويع الأشياء والمفاهيم والرموز، بغرض التعميم» (بدر) (عبد الخالق،
وشوكت).
والبحث يأتي بمعنى التنقيب عن الحقائق، وبمعنى التفسير النقدي،
ويأتي جامعا بينهما، فيسمَّى بالبحث الكامل.
تعريف "منهج": ورد اللفظ
في القرآن الكريم مرَّة واحدة بصيغة "منهاج"، وذلك في قوله تعالى: «لكلٍّ جعلنا
منكم شرعة ومنهاجا» أي: مسلكا واضحا واسعا وبيِّنا (اطفيش).
واللفظة
مجردة لا تخرج من مدلولاتها اللغويِّة، التي هي: الطريق، والسبيل، والوسيلة
(الرازي)؛ لكن بإضافتها إلى "البحث"، أي: "منهج البحث"، تحمل دلالة علمية جديدة،
تعود في نظر الكثير من الدارسين إلى القرن السابع عشر للميلاد، الذي شهد جهود
كلٍّ من فرانسيس بيكون وكلود برنار وغيرهما، من الذين ربطوا بين منهج البحث
والتجربة ربطا مصطلحيا، فأخذ اللفظ دلالة جديدة تعني: «الطرق المؤدية إلى الكشف عن
الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة، التي تهيمن على سير العقل،
وتحدد عملياته، حتى يصل إلى نتيجة معلومة» (بدوي). ويلخص فرح هذا التعريف بقوله:
«المنهج هو المنطق الذي يقوم عليه البحث، وكيف ندرس المشكلة» (فرح).
ويبدو أنَّ التعريفين يستقيان من عقلانية ديكارت بعدهما، فديكارت يقول:
«المنهج هو الطريق الذي ينبغي على العقل أن يتبعه ليصل إلى الحقيقة... والمنهج هو
نقطة الانطلاق والبداية لكلِّ فلسفة» (Descartes)
ويحاول صلاح فضل أن
يفرِّق في تعريفه للمنهج، بين المفهوم المرتبط بالمنطق، والمفهوم المرتبط
بالتجريب؛ فالمنهج في الأولى متعلق بمسار العقل، وفي الثانية يضيف الواقع
والقوانين والمعطيات الخارجية (فضل).
لكننا بعد كلِّ هذا التفكيك، نلاحظ
أنَّ الألفاظ الثلاثة المكوِّنة للمصطلح: "منهج" و"بحث" و"علم"؛ تتقاطع فيما
بينها، فيعرَّف كلٌّ منهما بالآخر ضرورة، فإمَّا أن يكون مقدِّمة أو نتيجة، وقد
يكون وصفا أو تقييدا، حتى ليقال مثلا: لولا العلم لما كان للبحث معنى، ولولا البحث
لما توصَّلنا إلى العلم.
بهذا نكون قد عرَّفنا "مناهج البحث العلمي"
بتفكيك أجزاء المصطلح، وسنحاول تعريفه باعتباره مصطلحا مركبا.
التعريف التركيبي:
عرِّف علم "منهج البحث العلمي"
أو "مناهج البحث العلمي"، بأنَّه: «الطريقة التي يتبعها العلماء في وضع قواعد
العلم، وفي استنتاج معارفه على ضوء تلك القواعد» (balagh).
أمَّا
موسوعة لالاند، فتعرِّفه بأنه «طريقة نصل من خلالها وبها، إلى نيتجة معيَّنة، حتى
وإن كانت هذه الطريقة لم تتحدَّد من قبل تحديدا إراديا ومترويا» (لالاند، نقلا عن
عدنان وآخرون)
من هنا نستنتج أنَّ هذه الطريقة، وهذه القواعد، التي
يرسمها الباحث قبل بداية رحلته في الاكتشاف، في أيِّ مجال كان، سواء أكان من قبيل
العلوم التجريبية، أم من نوع العلوم الإنسانية، أو غيرها... هذه الطريقة المرسومة
هي التي تسمَّى: منهج البحث العلمي.
وما من شكٍّ أنَّها هذه الطريقة،
وهذا المنهج، يكون مرسوما من البداية، غير أنَّ لا يكتمل ولا يتحدَّد ضرورة، من
أوَّل وهلة، ذلك أنَّ الكثير من المكتشفات العلمية، توصَّل إليها أصحابها بعد
تعديل متواصل للمنهج، أو للمناهج المقترحة، وبعد اكتشاف أخطاء في المنهج، أو
المناهج، المسطَّرة مسبقا؛ بل "إنَّ كثيرا من المكتشفات العلمية الباروة،
والمهمَّة للإنسان، قد تمَّ الوصول إليها بطريقة غير مقصودة" (عدنان وآخرون) ثم
تتحوَّل هذه الطريقة غير المقصودة إلى منهج، يسجِّله العالم المكتشف، ويدرَّس
لطلبة البحث العلميِّ، على أنَّه من "مناهج البحث العلميِّ" (وانظرـ بقفردج،
وبوبر).
ثم إنَّ الكثير من الباحثين يغفلون عن حدود الابتكار والإبداع
في "مناهج البحث العلمي"، فيسجنون أنفسهم في نماذج، ومفاهيم، وقوالب ثابتة، وكأنها
مطلقة لا يمكن أن تتغير طرفة عين... وهذا يقتل روح البحث العلمي نفسه، ذلك أنَّ
البحث العلمي هو ثورة، واكتشاف، وتجديد... في كلِّ مرَّة، بشرط الاعتماد النسبي
على القديم.
التعريف الإيتيمولوجي لمصطلح
"methodology":
يشتق لفظ methodology، من الكلمة اليونانية القديمة
μέθοδος (methodos)، أي: الاتباع أو البحث؛ أما أداة التصدير μετά, μέθ- (metα,
meth-)؛ فتعني: بعد، التابع؛ و οδός (odos) هو: الطريق، السبيل، الوسيلة.
واللفظ مستعمل في العديد من المجالات، بمعان مختلفة (wikipedia).
وهذا
التعريف يحيل المصطلح، بل أغلب مصطلحات العلوم إلى اللغة اليونانية، ويعتبر
اليونان هم الواضعين لأسس العلم، وأنَّ غيرهم تابع لهم ومقلِّد.
من هذه
التعاريف نستخلص أنَّ "مناهج البحث العلمي" لا تعرَّف تعريفا واحدا، يقال عنه إنه:
جامع مانع. بل ثمة تعاريف كثيرة تلتقي في نقاط، وتختلف في أخرى، وتتأثر
بالمنطلقات الفكرية، وبالمدارس الفلسفية، وبالقناعات التاريخية... وبنوع العلوم
التي يمارس صاحب التعريف، وغير ذلك.
فلا يعرَّف "العلم" مثلا، نفس
التعريف لدى المدارس الفلسفية الكبرى:
"المثالية" المنسوبة إلى أفلاطون
وغيره،
و"العقلية" المنسوبة إلى ديكارت وكانت وغيرهما،
و"الحسية" التي بشر بها جون لوك، وتبعه الكثير من الفلاسفة...
و"مدرسة نظرية الانتزاع" التي قال بها الفلاسفة المسلمون، كابن سينا وغيره،
ووضح معالمها "محمد باقر الصدر".
وتبعا لهذه الاختلافات في المنطلق، وفي
تعريف العلم، وفي اعتبار قيمة العلم... تختلف التعاريف للمنهج، وللبحث، ولكل ما
يتعلق بهما، ولكن مع ذلك تبقى قواسم مشتركة كثيرة، يتفق فيها جميع العلماء
والباحثين، بلا استثناء، وهي التي ينبغي أن يهتمَّ بها أكثر، لما لها من نتائج
إيجابية في الوصول إلى الحقيقة.
----------------
معالم في المنهج:
*سبيل المجاز الاستعاري، يمكن تشبيه حالة الباحثين، ولاسيما في
العلوم الاجتماعية والتربوية اليوم، بحالة مجموعة من البحَّارة المنطلقين بسفينة
البحث في عرض البحر. والمطلوب هو أن يصلحوا سفينة البحث، أي سفينتَهم، ويعاودوا
إصلاحها، بينما هم سائرون في عرض البحر، ومستمروُّن في سيرهم، لا يلوون على شيء،
دون التوقف في حوض، أو محاولة تغيير سفينة البحث من جديد.
الصيداوي
**«إنَّ معظمنا ما يزال يؤمن بأمور كثيرة لا أساس لها في الواقع، إلاَّ
فيما ذهب إليه الأقدمون. كان يقال لي دائما: إنَّ النعامة تأكل المسامير. ومع
أنِّي كنتُ دائما أتساءل: كيف لها أن تجد المسامير في الأدغال، فلم يخامرني يوما
شكٌّ فيما قيل لي، حتى اكتشفتُ أخيراً أنَّ هذه الرواية منقولة عن مفكِّر يونانيٍّ
"بلينوس" وأنها عارية عن الصحة»
(رُسل، أثر العلم)
***
عندما يأكل الإنسان من التفاحة، فإنه يستحيل أن ينسيه أيُّ ألم طعمها، وسيعود
إليها باستمرار. كذلك الأمرُ بالنسبة للبحث عن الحقيقة العلمية. إنَّ الإنسان لم
يعد بإمكانه التخلِّي عن السعي نحوها.
هنري بوانكاري




