التقويم التربوي... الرؤى والتطور(2)

إرسال إلى صديق طباعة PDF

التقويم التربوي... الرؤى والتطور(2) التقويم الناجح وأهميته في العملية التربوية: انطلاقا من الغاية الحقيقية للتقويم من خلال التذكير بعملية التعليم يقصد بها " إحداث تحول في سلوك وتصرفات الإنسان من الناحية المعرفية والثقافية ومن الناحية العاطفية والوجدانية وكذلك من ناحية العمل "(1). فإن هذا لا يعني إلا أن تكون عملية التعليم عملية تيسيرية وتوجيهية وتمكين المتعلم من المادة العلمية وتهيئة الظروف كي يصل الطالب إلى ذلك بما هو أقرب وأضمن وأسلم.

ذلك أن البحث في كيفية تقويم مادة علمية ما يعني بالضرورة البحث عن المنهجية التي يمكن اتباعها كي تؤتي العملية التقويمية ثمارها، ويتم تأديتها بصورة فعالة ومحكمة، إذ لا يكفي البتة الإلمام بقضايا المادة من طرف تكوينيا فعالا وملموسا ودائما دون نقائص وعوائق.

وعليه فإننا نتساءل بكل مصداقية هل حققت عملية التقويم التربوي أهدافها في الوصول إلى قطف الثمرات المرجوة؟
للإجابة عن هذا السؤال نقول: إنه ومن خلال تتبعنا لهذا الموضوع استطعنا أن نصل إلى العوامل التي جعلت من التقويم التربوي لا يحقق أهدافه، ويمكن إيجازها في النقاط التالية:

أ‌- قصور التقويم التربوي وعدم استمراريته
ونعني به محدودية التقويم التربوي واقتصاره على أيام معدودة دون بقية الأيام الأخرى أين يمكن للتقويم أن يتعرف بصدق وحقيقة على المستوى الحقيقي الذي وصل إليه الطالب.

إن الطرائق المتعددة حاليا والمتمثلة في رقابة الفروض والامتحانات والأعمال التطبيقية والموجهة في أيام محدودة دون استمرارها، أضحت لا جدوى منها لمعرفة مستوى الطالب الجامعي، كما أنها ليست مقياسا فعالا ولا حتى وسيلة صادقة لمعرفة محصول الطالب. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن الطالب أصبح يوجه اهتمامات تركيزه في أغلب الأحيان على معرفة الموضوعات المدروسة معرفة شاملة موجزة ثم ينكب على حفظها للضرورة القصوى أملا أن يجيب إجابة صحيحة وقد يصل إلى ذلك إن كان حسن الحظ(2)، غير أنه سرعان ما ينسى محصوله ويجهله بل ينساه، لآن الطريقة التي اعتمدها في التحصيل لم تكن طريقة علمية تربوية بقدر ما هي وسيلة مصلحية بحتة، وإنما الذي ساعده على ذلك هو النمط المعتمد في تهيئة فترة زمنية محدودة يتهيأ فيها الطالب لإجراء الامتحانات، ومهما استعد الطالب بما حضره من معلومات عن المواد الممتحنة فإنه لا يستطيع الإلمام الكامل بجميع عناصر المواد فضلا على الاحتفاظ واستيعابها استيعابا جيدا أو تنفيذها في الحياة العملية.

ب‌- عقم المنهجية العلمية في وضع الامتحانات
إن طبيعة الامتحانات المطروحة للإجابة كثير ما تتصف بالقصور والعقم في أغلب الحالات، ذلك أنها تقتصر على جوانب محددة من الموضوع المراد الإجابة عليه، وهي منهجية قد تمكن الطالب من حفظها والإلمام بها، ثم سردها وإظهارها عند الشدة لا غير.
بعبارة أخرى أن نظام الامتحانات الجاري به العمل حاليا أضحى لا يميز بين الطالب المجد والطالب العاجز والمتقاعس. وأن مناهج التقويم التربوي أصبحت غير موضوعية في عمومها.

جـ- غياب الجانب العلمي في العملية التربوية
إن الإهمال الملاحظ في كثير من المواد التعليمية أضحى الشغل الشاغل لأصحاب الميدان من الباحثين والتربويين والأساتذة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر غياب عوامل تنمية المهارات اللغوية والأدبية المطلوبين في الحياة العملية، عاملا تسبب في شل عنصر التذوق وحب الاطلاع والتركيز والاهتمام المتواصل، الأمر الذي يعزل الطالب عن المواد التعليمية دون بذل أدنى جهد للتحصيل واكتساب المعارف.

د - الانشغال بالنظري أكثر مما هو عملي      
من أهم المشكلات البيداغوجية التي تواجه الطالب في جامعتنا كثرة الوحدات التربوية مع خلوها من الأهداف العملية خاصة. فالطالب الذي يحكم سلفا أن لن يجد منصب شغل في المستقبل وإن وجده فلن يكون مناسبا لتخصصه وبالتالي يحبط عزيمته (3).
ومنها كذلك تباين طرائق التدريس والتقويم والتقييم وعدم اقتناع الطالب بها، إضافة إلى غياب التنسيق عادة بين الأستاذ المحاضر والأستاذ المطبق، والتي تعتبر عمليات تربوية ضرورية.
ومنها كذلك ضعف نوعية المعلومات العلمية المقدمة للطلبة خاصة النظرية منها، حيث لوحظ بأن المعلومات العلمية لا تجدد بل تلتزم بتقديم القديم وهذه بإمكان الطالب الحصول عليها من أقل المصادر والمراجع المحصل عليها.
ومنها كذلك غياب أجهزة العرض مثل مكبر الصوت والصور وتجهيز المخابر كلها أمور لا يمكن الاستغناء عنها في تنفيذ العملية التربوية فكثير ما تقلل من مجهودات الأستاذ والطالب.

ولا شك أن جميع هذه القضايا التي طرحناها لا يمكن أن تكون مقياسا حقيقيا للتقويم التربوي والعلمي الصحيح الذي نطمح إليه، فكل ذلك لا يعني أبدا أننا وصلنا بالطالب إلى المبتغى الذي يهدف إليه، لأن الواقع سيكشف لنا محاولة في حياة الطالب العملية عن شخصية أخرى غير التي دلت عليها الوثائق أثناء الامتحانات والنتائج النهائية الدراسية.

وخلاصة الحديث في هذا الموضوع هو أن التقويم التربوي في العملية التربوية يتطلب مجهودات أخرى إضافية لإعادة النظر في المناهج التربوية الساري العمل بها حاليا، بعبارة أخرى يجب فتح المجال واسعا أمام الطالب ليشق طريقه بنفسه وإشعاره أكثر بالمسئولية وبالتفكير في مصيره ولن يتم ذلك إلا باعتماد المقترحات التالية:
1- إعادة النظر في التقويم المستمر خلال القيام بالعملية التعليمية وفي غيرها من الأيام الأخرى، مثل أيام رقابات الامتحانات، ونعني بذلك العمل على خلق آليات مستمرة ودائمة تضع الطالب في ديمومة من الاستعدادات العلمية والنفسية، وتحفز فيه المراقبة المستمرة ، وهذا في حدّ ذاته كاف بخلق العادات المطلوبة في العملية التعليمية (4).
ذلك أن مكافآت الطالب على مجهوداته التعليمية والتربوية واحدث الرقابة السريعة من خلال ما يقدم إليه من مختلف المواد التعليمية وإدراج ذلك في معدلات الطالب تعتبر في حدّ ذاتـها طريقـة أخرى للتقويم التربوي الفعال. شريطـة أن يكون ذلك بجديـة وبأمانـة  مطلقة، إجراء قد يجعل من الطالب أن يكون أكثر حرصا على المادة العلمية من خلال ما يتوفر لديه من قدرة على الاستعدادات المستمرة.     
2- اعتماد التطبيقات والامتحانات الفعالة التي تسهم حقيقة في ترسيخ المادة التعليمية حتى تصبح ملكة مرنة على السنة المتلقين، ولا شك أن الامتحانات الفعالة هي التي تكشف وبحق عن قدرات وإمكانيات الممتحن الحقيقية والصحيحة، من أجل ذلك يجب أن يكون لدينا تصور واضح ودقيق لمحتوى أسئلة الاختبارات، أن نخطط لها من خلال الموضوعات العامة التي يكون الطالب قد تناولها أثناء الدراسة. كما ينبغي اعتماد الاختبارات التي تتضمن الأخطاء العامة التي تتكرر بانتظام، ولا يكون ذلك إلا برصد تلك الأخطاء من خلال العملية التعليمية وفي أثناء إجراء الحوار داخل قاعة الدراسة(5).
من جهة أخرى ينبغي الاعتماد على طريقة التمييز بين الصحيح والخاطئ، لأن ذلك ينمي الجانب الذوقي لدى الطالب لأن الإجابة التي سيقدمها إنما يعتمد فيها على درجة ذوقه لا غير(6).
3- ينبغي العناية الكاملة بالجانب العملي الذي ينمي في الطالب القدرة على التعامل الحقيقي والصحيح في حياته اليومية، أين تكون حاجاته وقضاياه. ذلك أنه كلما ارتبطت الاختبارات بقواعدها ومناهجها المستخدمة يوميا كلما كانت اهتمامات الطالب أكثر بما يتلقاه من مواد تعليمية، لأنه يجد في ذلك لا شك متعتا بضرورة ملحة تمليها عليه حياته اليومية، ولا يكون ذلك حقيقة واقعية إلا إذا كانت هذه المواد مستوحاة عموما من الواقع المعيشي أو من المواد ذات القيم الدائمة والثابتة.
4- الاعتماد على التطبيقات بأشكالها المتنوعة بغرض الوصول إلى الملكة الذاتية التي لا تتحقق إلا بالتدريب المستمر والذي يجب أن يسود مختلف المواد التعليمية. فالاعتماد على التطبيقات إنما يكشف لنا المستوى الحقيقي وفعاليته لدى الطالب(7).

إن اعتماد هذه المقترحات في عملية التقويم التربوي الحقيقي في التحصيل العلمي لهو كفيل بأن يكشف لنا الحقيقة ويوصلنا إلى تحديد القدرات الذاتية الحاصلة للممتحن وحينها نكون قد قومنا الطالب بما يضمن لنا سلامة مستواه وسلامة من سيكونون بين يديه متلقين.

طالع أيضا: التقويم التربوي... الرؤى والتطور (1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عبد العليم إبراهيم – الموجه الفني، ص 36.
(2)  محمد طالب – نظام التعليم والمردود المدرسي في الجزائر بعد الاستقلال، بحوث في العلوم الاجتماعية، جامعة وهران (1982) ع1، ص 223-542.
(3) بوفلجة غياب – التربية ومتطلباتها، ديوان المطبوعات الجامعية (1984) الجزائر، ص 19،24.
(4) د. تركي رابح – مناهج البحث في علوم التربية (1984م)، الجزائر، ص 77،81.
(5) المصدر نفسه.
(6) د. حنفي بن عيسى – الأسس النفسية لتعليم العربية، مجلة همزة وصل، وزارة التربية (1991)، الجزائر، ص 33.
(7) Lobot M. Priorité L'éducation. Petite Bibliothèque Pavot , (1973) Paris, P.37.





المشاهدات: 1408

التعليقات (1)

RSS خاصية التعليقات
من لم يشكر الناس لم يشكر الله
gehad ahmed
جزاكم الله خيرا على التتمة
gehad ahmed , ديسمبر 31, 2013 | url

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية