أهمية الإنسان في البناء الحضاري (2)

إرسال إلى صديق طباعة PDF

عوامل القصور والتخلف..
men-civilisation.jpgلا شك أن حال أمتنا يدعونا لوقفة تأمّل نحاسب فيها أنفسنا ونبحث عن سبب ضعفنا واختلافنا وتخلّفنا. رغم أنه عندنا كل أسباب الرقي المادية منها والمعنوية، فنحن أمة تحمل رسالة وهي مهيأة أصلا للشهود الحضاري ولكنها شاردة عن هذا الدور، والمتأمل جيدا يجد أن هذه الأمة تتخبط في مشاكل ومعوقات كبيرة تحول بينها وبين نهضتها لاسترداد دورها، فما هو السبب ؟؟.. وإلى أي عامل نرجع هذا القصور والتخلف؟؟


ـ هل هو عامِل الرضا بالواقع: أي نحن راضون بهذا الواقع فلا مشكلة لدينا, وكل شيء على ما يرام، ونحن على استعداد أن نعيش هكذا, لا أقول لسنين بل لقرون أخرى.
ـ أم عامل الاستسلام للواقع: فحالنا, كحال طبيب جرَّاح أمام مريض ميؤوس من حالته. فالضرر الذي أصاب مجتمعاتنا كبير جدا, وإصلاحه بات مستحيلا ويحتاج إلى معجزة. فاستسلمنا للأمر الواقع. سواء حاولنا أم لم نحاول. فلا فائدة ترجى, فالغرب في أوج حضارته ويستحيل أن ندركه. فأيقنّا أنه لا سبيل لنا للرقي، وأن قسمتنا في هذه الدنيا الجهل والتخلف.
ـ أم عامل عدم النجاح: أي أننا قمنا بمحاولات واستنهضنا الهمم ولكننا لم ننجح وبائت كل المجهودات التي بذلت بالفشل.
ـ أم عامل القضاء والقدر: أي أن الله هو المتصرف في ملكه (وهذا ممّا لاشك فيه)، فنحن نرى أن تخلّفنا مشيئة الله وقضائه وقدره. فلو أراد لنا سموًا لحقّقه لنا... وهذا في رأيي مفهوم خاطئ للقضاء والقدر.
ـ أم عامل التيه: أي تهنا وضِعنا فلا نعرف أي السبل نسلك, وأي الإيديولوجيات نتبنّى, لتحقيق النهضة.
ـ أم عامل الافتقاد إلى القيادة الراشدة: فهي مهمة لقيادة الأمة في مسيرة النهضة. فهي التي تجمع الكلمة وتوحّد الصف وتنير الدرب.
ـ أم عامل الكسل والخمول: فشباب ومثقّفو هذه الأمة ـ وهم أملها الوحيد في النهضة ـ قد تخلو عن مسؤولياتهم واشتغلوا بالسفاسف و الأمور الثانوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. فبدل أن يكونوا مهندسي نهضتها أصبحوا معاول هدم لما تبقّى منها. فأي مثقف يأتي بأفكار غربيَّة لا تتوافق مع مبادئ بيئته ثم يسعى لتوطينها, فهو يهدم أكثر مما يبني. وأي شاب لا هم له في الدنيا إلاّ التمتع بها و إشباع رغباته فهو يهدم كذلك.
ـ أم عامل السلطة والحاكم: فهم بمثابة الرأس من الجسد، فصلاحهم صلاح الأمة, وفسادهم وهوانهم فساد و هوان الأمة.
ـ أم عامل الاتكال: فنحن نرى أننا في عصرنا لسنا مُطالَبين ولا مسؤولين عن تغيير وإصلاح أوضاعنا، وسنترك ذلك للأجيال القادمة, أو ريثما يظهر على الساحة صلاح الدين, أو ينهض معتصم الأمة.
.. يحتار العقل في تحديد السبب. ألهذا العامل أو ذاك ؟ أو كلها مجتمعة ؟ فقد كثرت وتداخلت..
ولكن إذا تأملنا الوضع الذي وصلنا إليه فإن لسان الحال يقول: كلها مجتمعة وأكثر من ذلك, إذا أضفنا إليها عامل الانبهار والعجز أمام الحضارة الغربية وتطورهم العلمي. مما أدى بنا إلى اليأس والشعور بالنقص أمام تفوق الإنسان الغربي،كانت نتيجته الإستسلام أمام رغباته وطموحاته.
وهذه الأوضاع التي نعاني منها إنما كانت تراكمات السنين التي خلت من الجهل والتخلف والضعف وعدم الاهتمام بالفرد وتهميش الطاقات، وهذا يرجع إلى اختلال سلم الأولويات لدى أفراد الأمة المسلمة، أضف إليها الصراعات الجانبية التي أتت على طاقات الأمة كما تأتي النار على الحطب. وهو ما استغله الغرب في تقسيم تركة المسلمين والدخول إلى أراضيهم، ثم سعى إلى إبقاء الأمور على حالها لينعم بالاستقرار. فضعف المرء يولِّد الطمع لدى أعدائه. وعدم الإسراع بالدواء للمريض يؤدي إلى استفحال دائه. إن جوهر الإنسان في عقله وعلمه، وقوَّته في بصيرته. وهذه العوامل ليست فطرية ولكنها تكتسب بالتربية والتعليم، ولكننا تجاهلنا ذلك لسنين عديدة ولا نزال، ما عدا بعض المحاولات والتي إليها يرجع الفضل في بقاء شمعة الإسلام مشتعلة رغم الرياح والعواصف التي هبت على دياره، وما يعاب عليها أنها لم تساير عصرها ولم تنشئ الفرد المسلم القوي بعلمه والمعتد بإيمانه ليقف في وجه الفرد الغربي المتسلط بعلمه.
إن معرفة الداء هي أولى خطوات الشفاء. فتسليط الضوء على هذه العوامل وإبرازها للناس ليقفوا على حقيقتها باتت أولوية. لأنه سيحدد لهم مكمن الداء وأصل الخلل. وهذا التشخيص للحالة المرضية في مجتمعاتنا لا نهدف به التجريح أو التعريض بأحد. بل هي بالدرجة الأولى تحمُّل للمسؤولية وتحميلها للناس، حاكم ومحكوم كل حسب موقعه في بيئته. وهي من باب التذكير بها, لأنها أصلا في عنق كل فرد وسيسأل عنها أمام الله ولا يمكن له أن يتخلّى عنها ولو أوهم نفسه أنه غير مسئول،.وألقى باللائمة على غيره، لأن السؤال الذي سيطرح وسنحاسب عليه: ماذا قدمت لنصرة الإسلام وتغيير المنكر ؟. وكيف تعاملت مع الفتنة التي ابتليت بها؟. فالدنيا دار بلاء ما سلم منه إنسان، فالعلم والمال والصحة والفراغ والشباب بل العمر كله ابتلاء، والفائز يوم القيامة من أحسن عملا بما أوتي من نعم وفضل من الله، عرف قدرها وعمل بها لتغيير وإصلاح ما بنفسه و بيئته. وهذه حقيقة أشار الله إليها في قوله: "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ " (سورة الملك 1 ـ 2)، حتى الفقر أو الضعف المادي والمعنوي يصيب الإنسان فيعجزه لا يكفي مبررا يُسقط عنه المسؤولية. "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ " (سورة الأنبياء 35).
"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا " (سورة النساء 97)، إن الشعور بعظم المسؤولية سيدفعنا للوقوف مليا أمام أفكارنا وتصرفاتنا ومعاملة بعضنا البعض، ويدفعنا لصياغة فكر جديد يقود الأمة إلى الوحدة والاستخلاف في الأرض والتمكين لدين الله.
كيف يتم ذلك...؟

وللكلام بقية إن شاء الله

المشاهدات: 1294

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية